المفهوم لا يجب وجود مصداقه ولا عدمه . وعليه فيصير الموادّ الثلاث من المعقولات الثانية المنطقيّة فيناسب مباحث المنطق دون الفلسفة .
قوله قدّس سرّه : « كلّ مفهوم فرضناه ثمّ نسبنا إليه الوجود »
يبدو أنّ الأولى بالبحث الفلسفيّ أن يقال : الوجود إمّا يكون الوجود ضروريّا له بذاته ، أو لا . والأوّل هو الواجب والثاني هو الممكن ومعنى ضرورة الوجود لوجود أنّه بحيث لا يقبل أن يخلفه العدم مطلقا .
فالواجب هو الوجود الذي لا يقبل أن يخلفه العدم بوجه من الوجوه والممكن هو الذي يقبل أن يخلفه العدم بوجه .
فإذا قلنا : « إنّ وجود زيد ممكن » فمعناه أنّ وجود زيد في الحال وإن كان موجودا إلّا أنّه كان قابلا لأن يكون العدم خليفة له ، وأيضا هو قابل لأن يخلفه العدم في المستقبل . كما كان قد خلفه العدم في ما مضى . كلّ ذلك بعدم علّته .
وهذه الصياغة من البحث تمتاز بأمور :
الأوّل : أنّه بحث عن الوجود وأحواله ، فيكون بحثا فلسفيّا من غير تسامح .
الثاني : أنّ الممكن يصير قسيما للواجب ويتمّ ما رامه قدّس سرّه من تقسيم الوجود إلى واجب وممكن .
الثالث : أنّه يكون البحث عن كلّ من الأقسام بحثا عن الموجود حقيقة ، وهذا بخلاف الصياغة التي اتّخذها المصنّف قدّس سرّه ، إذ عليها يكون موضوع الإمكان هي الماهيّة ، التي لا تكون موجودة إلّا بالعرض .
الرابع : أنّه يوافق القول بأصالة الوجود . حيث إنّ الموضوع في كلّ من الأقسام هو الوجود .
هذا .
والأشبه ، أنّ المعنى المرتكز في الذهن من الإمكان والوجوب هو هذا المعنى . ولذا نرى المصنّف قدّس سرّه وغيره قد يميل لا شعوريّا إلى هذا المعنى . فإنّك ترى في الأمر الثالث أنّ المصنّف قدّس سرّه يجعل الممكن قسيما للواجب ويثبت بذلك وجود الإمكان ، مع أنّ الممكن على ما تبنّاه قسيم للواجب والممتنع كليهما .
ثمّ لا يخفى عليك : أنّ ما ذكرنا لا ينافي انقسام الأعدام إلى ممكن وممتنع ، حيث يرى العقل بعض الأعدام يقبل أن يخلفه الوجود فيصفه بالإمكان ، وبعضا آخر منها لا يقبل ذلك
نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 168
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٦٨