نظرا إلى انحفاظ الذاتيّات ؛ والعلم عندهم من الكيفيّات النفسانيّة 38 ؛ فالمعقول من الجوهر مندرج تحت مقولة الجوهر وتحت مقولة الكيف ، وهو محال ؛ لأدائه إلى تناقض الذات 39 ، لكون المقولات متباينة بتمام الذات . وكذا إذا تعقّلنا الكمّ مثلا ، كانت الصورة المعقولة مندرجة تحت مقولتي الكمّ والكيف معا ، وهو محال . وكذا إذا تعقّلنا الكيف المبصر مثلا كان مندرجا تحت نوعين من مقولة الكيف ، وهما الكيف المحسوس والكيف النفسانيّ .
وجه الاندفاع أنّه كيف نفسانيّ بالحمل الشائع ، فهو مندرج تحته ؛ وأمّا غيره من المقولات أو أنواعها فمحمول عليه بالحمل الأوّليّ ، وليس ذلك من الاندراج في شيء .
وإشكال ثالث ، وهو أنّ لازم القول بالوجود الذهنيّ كون النفس حارّة باردة معا ، ومربّعا ومثلّثا معا ، إلى غير ذلك من المتقابلات ، عند تصوّرها هذه الأشياء ، إذ لا نعني بالحارّ والبارد والمربّع والمثلّث إلّا ما حصلت له هذه المعاني 40 التي توجد للغير وتنعته .
شرح
38 - قوله قدّس سرّه : « والعلم عندهم من الكيفيّات النفسانيّة »
أي : العلم الحصوليّ الذي هو الوجود الذهنيّ . كما سيأتي في الفصل الخامس عشر من المرحلة السادسة .
وإنّما قيّد بقوله : « عندهم » ، لأنّ العلم الحصوليّ عنده في الحقيقة جوهر مثاليّ أو عقليّ حضر بوجوده عند العالم . كما سيأتي تفصيله في الفصل الأوّل من المرحلة الحادية عشرة . والجوهر المثاليّ وإن كان ذا أعراض تكون معلومة للعالم به ، إلّا أنّ شيئا منها ليس من الكيف النفسانيّ في شيء . أفيكون الجوهر المثاليّ نفسا ، حتّى تكون كيفيّاته من الكيفيّات النفسانيّة ؟ !
ولا يخفى عليك : أنّ المصنّف قدّس سرّه تبع في ذلك صدر المتألّهين قدّس سرّه وسيحكي في الفصل الخامس عشر من المرحلة الحادية عشرة عنه ذلك بما لفظه : « وقد بيّنّا أنّ العلم عقليّا كان أو خياليّا ليس بحلول المعلومات في العقل أو النفس ، بل على نحو المثول بين يدي العالم واتّحاد النفس بها . » انتهى .
39 - قوله قدّس سرّه : « وهو محال لأدائه إلى تناقض الذات »
أي : إلى كون الذات - وهي الماهيّة - نفسها وعدم كونها نفسها ، فإنّ كونها جوهرا هو عدم كونها كيفا ، فإذا كانت كيفا كانت كيفا حالكونها لا تكون كيفا . وهكذا يقال في كونها كيفا .
40 - قوله قدّس سرّه : « إلّا ما حصلت له هذه المعاني »
للمعنى إطلاقات ومعان مختلفة ، كما يستفاد من كشّاف اصطلاحات الفنون :