واللفظ إنما يكشف عن المعنى بالدلالة الوضعية الاعتبارية ، وما لم يوضع اللفظ للمعنى فلا يحصل الكشف عن المكنون في ذهن المتكلم عند تلفّظه به .
وعليه ، فإذا كان هناك شيء يكشف عن شيء آخر بالدلالة الحقيقية ، فيسمى الكاشف كلاماً ، ويسمى صاحبه متكلماً بطريق أولى . وحيث إنّ الموجودات تكشف عن صفات الحق تعالى ؛ كالعلم في الإنسان يكشف عن علم الحق تعالى ؛ وذلك لأن الذات وصفاتها مستورة وليست ظاهرة ، وإنما تظهر عن طريق الآثار والمعلولات ، فإن دلالة الآثار والمعلولات على صفات الحق تعالى هي دلالة حقيقية ، فتكون أولى بأن تسمى كلاماً للحق ، وتسمى الآثار والمعلولات كلمات الحق ، ويسمى الحق تعالى بالمتكلم .
والقرآن الكريم يعبّر عن عيسى بأنه كلمة الله ، وعن الوجودات بأنها كلمات الله ، كما في قوله تعالى :
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
وليس معنى ذلك أنه لا تنفد الألفاظ ، بل لا تنفد الموجودات .
ويسمى مثل هذا الكلام بالكلام في مقام الفعل ، أي الكلام الفعلي ، فهو صفة فعل لا صفة ذات . وهناك نوع آخر من الكلام ، وهو المسمى بالكلام الذاتي الذي يكون صفة من صفات الذات ، وهو المقصود في محل البحث ؛ إذ المراد هنا هو إثبات أن الكلام صفة ذاتية كالعلم . فكما أن العلم والقدرة والإرادة ونحوها من الصفات الذاتية تكشف عن ذات متصفة بها ، فكذلك صفة الكلام .
فهذا المعنى للإرادة والكلام الذي ذكره الحكماء يرجع بحسب التحليل إلى العلم والقدرة .
أما الإرادة : فهي ترجع إلى العلم فتكون وجهاً من وجوه علمه تعالى .
وأما الكلام بالمعنى المشار إليه : فهو يرجع إلى الخلق ، ومن الواضح أن