تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧

إثبات الاحتياج المتبادل بين المادة والصورة الجسمية

والدليل التفصيلي على الاحتياج المتبادل بين المادة والصورة الجسمية يتكوّن من شقّين : الشق الأول هو في الشيء الذي تكون به الصورة الجسمية محتاجة إلى المادة الأولى ، والشق الثاني هو في الشيء الذي تكون به المادة الأولى محتاجة إلى الصورة الجسمية . وبالنسبة إلى الشق الأول ، فإن الصورة الجسمية تحتاج إلى المادة في أمرين : الأول في تعيّنها ، والثاني في تشخّصها . أما أن الصورة الجسمية تحتاج إلى المادة في تعينها ، فلأن الاختلاف النوعي يحصل بسبب استعداد المادة الثانية . فمتى ما استعدت المادة الثانية لتكون صورة نباتية كان الموجود نباتاً ، ومتى ما استعدت لتكون صورة إنسانية كان الموجود إنساناً ، فتعيُّن النوع يحتاج إلى المادة المعيّنة لهذا النوع . وأما أن الصورة الجسمية تحتاج إلى المادة في تشخّصها ، فإن التشخص - بناءً على مسلك المشهور - إنما يكون بعوارض الماهية . فالماهية النوعية متفقة في الأفراد ، والإنسانية في زيد وعمرو وخالد واحدة ، وتمايز الأفراد إنما يكون بانضمام العوارض . والعوارض ليست من ذات الماهية وإنما هي عارضة عليها ومنضمة إليها ، ولذلك هي تحتاج إلى قابلية واستعداد تسمح بطرو العوارض المنضمة ، والحامل لتلك القابلية هو المادة . والحاصل فإن الصورة الجسمية تحتاج إلى المادة في عوارضها المشخصة لا في وجودها ؛ وإلا فهي في وجودها تحتاج إلى علّتها . قد يقال إن المصنف اختار في ما سبق أن التشخص يكون بالوجود وليس بالعوارض ، وهذا لا ينسجم مع كون الصورة محتاجة إلى المادة في عوارضها