إثبات الصور النوعية « 1 »
يستدل « 2 » المصنف لإثبات وجود الصور النوعية وراء الصورة الجسمية والمادة الأولى ، باختلاف الأجسام في الآثار والأفعال .
ذلك أنه وبمراجعة موجودات العالم المادي ، يتضح أن الجسم لا يوجد في الخارج بشكل مطلق ، بل يوجد في ضمن المعدن أو النبات أو الحيوان أو أيّة صورة نوعية أخرى . ومن الواضح أن الأجسام الموجودة في الواقع الخارجي متنوعة بأنواع متعددة كالحجر والحديد والنحاس . . وهذه الأجسام المتنوعة تختلف في الآثار والأفعال ، فللنار أثر خاص ، وللماء أثر خاص ، وللثلج أثر خاص . . والفاعل القريب الذي هو مبدأ هذه الأفعال والآثار لا يخلو من أن يكون هو إما المادة الأولى أو الصورة الجسمية أو مبدأً ثالثاً وراءهما .
أما المادة الأولى فلا يمكن أن تكون مبدأ هذه الآثار والأفعال المختلفة ؛ لأن المادة الأولى شأنها الانفعال والتأثّر وليس الفعل والتأثير ، فتكون فاقدة لكل فعل ، وفاقد الشيء لا يمكن أن يكون معطياً له . فلا يمكن أن تكون المادة الأولى منشأ لهذه الآثار والأفعال المختلفة .
ومن ناحية ثانية فإن المادة الأولى تشترك بين جميع الأجسام ، وتكون
هامش
( 1 ) مثبتو الصور النوعية فلاسفة المشاء كالمعلم الأول والفارابي والشيخ الرئيس ، وصدر المتألهين وبعض أتباع مدرسته . ومنكرو هذه الصور هم من الأقدمين هرمس وحكماء الفرس والرواقيين ومن تابعهم كصاحب حكمة الإشراق ( انظر شرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ، ص 65 ) . بل إنّ كلّ من ينكر نظام العلية والمعلولية ويؤمن بالإرادة الجزافية كالمعطلّة ، أو يعزو الأفعال والتأثيرات المختلفة في عالم المادة إلى أعراض الجسم الكمية والكيفية حصراً كأتباع النظرية الميكانيكية ، أو يعزوها إلى الأسباب المفارقة للمادة والتي تباشر عالم الجسم والطبيعة كما هو الحال في نظرية الإشراق في العقول العرضية والمثل النورية وأرباب الأنواع . . فإن جميع هؤلاء يندرجون في فئة منكري الصور النوعية .
( 2 ) أقيمت عدة أدلة لإثبات الصور النوعية ، ذكر في الجزء الخامس من الأسفار أربعة أدلة ، وفي شرح الهداية ثلاثة أدلة . ويعتبر الدليل المذكور في المتن من أوضح هذه الأدلة .