جوهر المادة
القسم الثالث من أقسام الجوهر هو المادة ، والمراد من المادة هو الاستعداد وقوّة قبول الأشياء ، فالموجود ما دام في عالم المادة تكون فيه قابلية أن يصير شيئاً آخر ، فالماء بما هو ماء له فعلية الماء ، وهو مع ذلك فيه قابلية وقوة أن يكون بخاراً ؛ فإن حيثية الفعلية غير حيثية القوة . وعالم المادة والطبيعة عالم الاستعداد والقابليات ، وما هو خارج عالم المادة هو عالم الفعليات حيث لا يوجد أيّ مجال لأن يكون الشيء شيئاً آخر . وعلى هذا الأساس يفهم مضمون بعض الروايات ، من قبيل : ) اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل ( « 1 » ، فإن انتفاء العمل ليس ببسب وجود المانع ، بل بسبب انتفاء المقتضي للعمل آنذاك .
وعليه ، فالجوهر الثالث هو ما يعبَّر عنه بالمادة ، وهو قوّة الأشياء واستعدادها لأن تكون شيئاً آخر . وبتعبير المصنف : هو ) الجوهر الحامل للقوّة ( ، والقوّة هي الإمكان الاستعدادي الذي تقدّم بحثه من أن الإمكان الاستعدادي يحتاج إلى موضوع وموضوعه المادة . فالمادة هي قوة الأشياء ، وفيها عرض وهو الإمكان الاستعدادي ، والنسبة بين المادة والإمكان الاستعدادي نسبة الجسم الطبيعي إلى الجسم التعليمي . فالطبيعي جسم ، ممتدّ في الأبعاد الثلاثة ، مبهم . والجسم التعليمي عرض يعيّن ذلك الإبهام ، وكما أن الجنس معنى مبهم لا يتحصل إلا بالفصل ، كذلك الجسم الطبيعي معنى مبهم ، إذ لا يوجد في الخارج جسم مبهم بحيث لا يكون مكعباً أو اسطوانياً أو كروياً . . بل لابد له من شكل معيّن ، وهذا الشكل هو الجسم التعليمي ، وهو عرض . والإمكان الاستعدادي أيضاً عرض يحتاج إلى موضوع ، وموضوعه المادة التي هي الحامل للقوة .
هامش
( 1 ) البحار : ج 67 ، ص 77 .