جوهر النفس
القسم الثاني من أقسام الجوهر هو النفس ، والنفس تكون مجردة ذاتاً لا فعلًا ، لحاجتها إلى البدن في مقام الفعل ، وذلك في مقابل العقل الذي هو موجود مجرد ذاتاً وفعلًا « 1 » .
فالنفس هي موجود مجرد في مقام الذات والوجود ، ولكنها مادية في مقام الفعل . ومعنى ذلك أن النفس - ما دامت في عالم المادة - لا يمكنها أن ترى الشيء إلا بمعونة العين ، فالنفس هي التي ترى الشيء ، ولكن بواسطة العين . والمراد من الرؤية هنا الإدراك وليس مجرد انعكاس صورة الشيء في العين وإلا فإن الانعكاس يمكن أن يتحقق بدون حصول الإدراك ، فيمكن للصورة أن تنعكس في عين الميت من دون أن يتحقق له الإدراك لخلو النفس منه .
وغاية النفس التي هي مجردة في ذاتها ، هي في أن تصبح مجردة في فعلها أيضاً ، بحيث تنجز أفعالها بدون معونة المادة والبدن . كما هو شأن أولياء الله الذين لا يحتاجون إلى المادة في إنجاز أفعالهم . وكما هو شأن الإنسان في الجنان فهو بمجرد أن يشتهي الشيء يحصل المطلوب من دون أن يتوقف ذلك على تهيئة مقدمات تدريجية . فيكفي فيه وجود الفاعل ، ولا يتوقف ذلك على وجود القابل .
هامش
( 1 ) وهذه نظرية المشّاء في المسألة ، وإلا فإن صدر المتألهين يرى أن النفس تبدأ مادية ذاتاً وفعلًا ، ومن خلال الحركة الجوهرية تتجرد ذاتاً لا فعلًا ، وشيئاً فشيئاً تصبح مجردة ذاتاً وفعلًا . وحيث إنّ موجودات عالم التجرد لا يمكن أن تكون مادية ، فإن نفس الإنسان لا تكون مادة ولا جسماً ، بل إن صدر المتألهين يثبت أن نفس الحيوان مجردة فضلًا عن نفس الإنسان ، فالتجرد ليس من خصائص الواجب تعالى ، بل هو من المشتركات بين الواجب والممكن . والذي هو من خصائص الواجب سبحانه هو الغنى الذاتي ، وإلا فإن الوجوب ليس من خصائص الواجب ، بل إن كل موجود هو واجب ، والوجود كاشف الوجوب ، نعم الغنى الذاتي هو من خصوصية الواجب كما أن الفقر الذاتي من خصوصية الممكن ( ش ) .