عنها بل هو محتاج إليها ، وعلى هذا يكون قيد الاستغناء في بادئ النظر قيداً احترازياً ، لا توضيحياً « 1 » . هذا في ما يتعلق بتعريف الجوهر والعرض .
وجود الجوهر
لم ينكر أحد من الفلاسفة الإلهيين أو الماديّين وجود الأعراض ، وإنما وقع الخلاف بينهم في أن الجوهر موجود أم لا ؟
المدّعى في الفلسفة الإسلامية هو القول بوجود الجوهر ، وأنه لا معنى لتحقق العرض ما لم يكن الجوهر متحققاً ؛ فإن العرض هو الوجود القائم في نفسه لغيره ، فيستلزم وجوده وجود ذلك الغير .
والمدّعى في الفلسفة الحسّية التي تعتمد على الحس والتجربة كأساس للمعرفة ، هو إنكار وجود الجوهر . وهذا هو مبنى ) باركلي ( المرتكز إلى الحس والتجربة ، فقد ثبت في محله أن الإنسان لم يُخلق بنحو يكون له حسّ يدرك به وجود الجوهر ، وحيث إنّ الجوهر لا يدرك بالحس والتجربة ، فكل ما يدركه الإنسان هو الأعراض ، سواء كانت من الألوان ، أو الطعوم ، أو الروائح ونحو ذلك من الأعراض . وحيث إنّ الحس لا يملك صلاحية أن يدرك الجوهر ، فالمتكفل لإثبات وجود الجوهر هو البرهان العقلي الفلسفي .
ومن هنا صرَّح الشيخ الرئيس بأن الحسّيين إذ يعمدون إلى إدراك المجرد بالحس ، يعجزون حتى عن إدراك المادي بالحس . فإذا لم يمكن إدراك الجوهر - الذي هو أمر مادي له امتداد في الأبعاد الثلاثة - بالحواس ، فيكف يمكن معرفة ما ليس بمادي بالحواس ؟ !
هامش
( 1 ) سيتضّح في محله أن ) الموضوع ( بالاصطلاح الفلسفي لا يكون إلا مستغنياً عما يحلّ فيه . والذي يكون محتاجاً وغير مستغن عما يحل فيه هو ) المحل ( بالاصطلاح الفلسفي ، وعلى هذا يكون قيد الاستغناء قيداً توضيحياً . وتفصيل ذلك في محله ( ش ) .