- والتشخّص في الأنواع المجردة عن المادة إنما يكون ناشئاً من لوازم ماهيتها التي لا تنفك عنها ؛ لأنّ التشخص هو كون الماهية بحيث يمتنع صدقها على كثيرين ، وحيث إنه تقدم أن النوع المجرد لا يمكن أن يكون له أكثر من فرد واحد ، فيمتنع فرض صدقه على كثيرين .
2 - أما التشخص في الأنواع المادية ( أو العنصريات ) فهو أن الماهية النوعية للإنسان مثلًا إنما تتشخّص بالأعراض المنضمة إليها ، أي بالزمان المعيَّن ، والمكان المعيَّن ، والوضع الخاص ، والكمّ المعيّن . فهذه الأعراض الأربعة هي التي تشخص الماهية النوعية للإنسان .
ذكر المعلم الثاني ( الفارابي ) أن مفاهيم المتى ، والأين ، والوضع ، والكمّ هي مفاهيم كلية ، وأن ضمّ هذه المفاهيم الكلية الأربعة إلى ماهية الإنسان وإن كان يضيِّق من دائرة وسعة ماهية الإنسان الكلية ، إلا أنه مع ذلك يمتنع أن تسلب منها قابلية الصدق على كثيرين ؛ فإن انضمام كلي إلى كلي لا يجعله جزئياً ، بل غاية ما يحصل من ذلك هو تضيّق دائرة الانطباق بنحو قد يصل إلى مستوى لا يمكن أن يوجد له إلا فرد واحد ، ولكن يبقى مع ذلك مفهوماً كلياً . والشاهد على ذلك مفهوم واجب الوجود الذي هو مفهوم كلي قام البرهان على استحالة أن يكون له أكثر من فرد .
والحاصل فإن الكلية أو الجزئية لا تدور مدار كثرة أو قلة الأفراد ، بل يستحيل أن يكون التشخص بواسطة العوارض الأربعة المذكورة ؛ لأن التشخص هو كون الماهية بحيث يمتنع فرض صدقها على كثيرين . وهذه العوارض مهما تكثّرت فلا تجعل الماهية بحيث يمتنع فرض صدقها على كثيرين ، فلابد أن يكون منشأ التشخص فيها هو شيئاً آخر غير هذه العوارض . ومن هنا ذهب الفارابي إلى أن التشخص لا يمكن أن يتحقق إلا بالوجود الخارجي ، وأن
شرح بداية الحكمة — صفحة 312
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣١٢