تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الماهية إذا وجدت فإنها تتشخص ويمتنع صدقها على كثيرين ، وإلا فما لم توجد لم تتشخص . وهذا معنى القاعدة الفلسفية القائلة بأن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد . فما يشخص الماهية ويجعلها مستحيلة الصدق على كثيرين ليس هو العوارض التي تنضم إلى الماهية من الكمّ والكيف والأين والمتى ، وإنما الذي يشخصها هو وجودها الخارجي .

التشخص لا يكون إلا بالوجود

إلى هنا اتضح أن المنشأ في تشخص الأنواع المجردة إنما هو لازم نوعية الماهية ، والمنشأ في تشخص الأنواع المادية إنما هو الوجود . وقد يقال : إن منشأ التشخص في الأنواع المجردة يمكن أن يكون هو الوجود ، وإلا فإن مجرد كون الماهية النوعية مجردة ، وأنها يستحيل أن يوجد لها أكثر من فرد واحد ، لا يجعلها متشخصة . فإن الواجب سبحانه وتعالى كلي ، ومع ذلك يستحيل أن يوجد له أكثر من فرد واحد . وشريك الباري كلي ، ومع ذلك قام البرهان على استحالة وجود أيّ فرد له . وعليه ، فإن كثرة الأفراد وعدم كثرتها ليس هو الضابط في كون المفهوم كلياً أو جزئياً ، وإنما الضابط في ذلك هو الوجود وعدم الوجود . ولهذا فإن الكلي هو ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، وما دام موجوداً في الذهن فلا يمتنع فرض صدقه على كثيرين . وتكون الماهية جزئية حقيقية بالوجود . وهذا هو معنى ما ذكره المصنف في آخر الفصل السابق ) فالحق أن الكلية والجزئية نحوان من وجود الماهيات ( « 1 » ، أي أن الماهية جزئية بالوجود الخارجي . وهذه هي الجزئية الحقيقية الفلسفية ، أما الجزئية التي تقدم ذكرها في الفصل السابق فهي الجزئية
هامش
( 1 ) المرحلة الخامسة ، الفصل السابع .