الحقيقة الواحدة بنحو واحد وميّزها عن غيره كاملًا فهذا يسمى بالجزئي ، وإن أدرك تلك الحقيقة الواحدة بنحو مبهم غائم قابل للانطباق على كثيرين فهذا يسمى بالكلي ، وإلا فهو في مقام ثبوته جزئي .
بعبارة أخرى : إن وجود الكلي والجزئي إنما هو في مقام الإثبات ، وإلا ففي مقام الثبوت لا يوجد أصلًا سوى الجزئي . غاية الأمر أنه في بعض الأحيان لا توجد صورة واضحة عن ذلك الجزئي ، ونتيجة ذلك يتصور أن الجزئي قابل للانطباق على كثيرين ؛ من قبيل قطعة النقود الممسوحة والتي يتردد تاريخ صدورها نتيجة ذلك بين أعوام مختلفة ، فيتصوّر البعض أنها قابلة للصدق على أفراد كثيرة ، وإلا فهي في واقع الأمر لا تصدق إلا على ذلك النقد الصادر في وقت معيّن دون غيره .
وكذلك عند مجيء الشخص من مكان بعيد بحيث لا يمكن تشخيص أنه رجل أو امرأة ، أبيض أو أسود ، إنسان أوليس بإنسان ، فيتصور البعض أن هذا مفهوم كلي قابل للصدق على كثيرين ، ولكنه في الواقع شخص معيّن وجزئي . وحيث إنّ صورة هذا الشخص مبهمة فيتصور البعض أنه كلي . وهذا القول يؤدي إلى إنكار الكلي ، فإن مرجعه إلى وجود الجزئي فقط ، غاية الأمر أن الإدراك قد يكون ضعيفاً ومبهماً فيسمى بالكلي ، وقد يكون قوياً واضحاً فيسمى بالجزئي .
والنتيجة الخطيرة التي تترتب على هذه النظرية هي بطلان جميع العلوم سيما العلوم التجريبية التي يكون موردها دائماً خاصاً ، فتحتاج في تجاوز موردها إلى التقنين والتعميم ، فمن أين للعلوم التجريبية أن تصل إلى التعميم الذي يجعلها تستنتج مثلًا بأن ) كل قطعة من الحديد تتمدّد بالحرارة ( ما لم يوجد مفهوم كلي ؟
فالمفهوم الجزئي لا ينطبق إلا على مورده الخاص به ، فلو تمددت قطعة
شرح بداية الحكمة — صفحة 305
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٥