وأما التقييد بالمرتبة الواحدة فلأنه يمكن أن يكون للشيء الواحد أجناس متعددة في مراتب مختلفة ، فالحيوانية التي هي جنس الإنسان يوجد فيها أجناس وفصول ، وكل تلك الأجناس والفصول المأخوذة في الحيوان موجودة في الإنسان أيضاً ولكن بنحو اللّف لا بنحو النشر . فالجوهرية موجودة في الإنسان ، وكذلك الجسمية ، والنامي ، والحسّاس ، والمتحرك بالإرادة ، والناطق ، ولكنها ليست موجودة فيه في مرتبة واحدة ، بل في مراتب متعددة طولية . ولا محذور في ذلك .
رابعاً : الجنس والفصل يؤخذان من المادة والصورة الذهنية ، وإن المادة والصورة الذهنية يؤخذان من المادة والصورة الخارجية . وهذا يعني أن الموجود ما لم يكن له مادة وصورة خارجية فلا يكون له مادة وصورة ذهنية ، وإذا لم يكن له مادة وصورة ذهنية فلا يكون له جنس وفصل .
أما كيف يحصل التمييز بين الموجودات المركبة من المادة والصورة الخارجية ، والموجودات التي لا تتركّب منهما فقد ذكر الفلاسفة في مقام الجواب أن الجواهر المادية مركبة من مادة وصورة خارجية . فالجواهر المادية الجسمية التي لها أبعاد ثلاثة ، هي المركبة من مادة وصورة خارجية ، ومنهما تنتزع المادة والصورة الذهنية ، ومن الأخيرين ينتزع العقل الجنس والفصل .
وعليه ، فما لا يكون له مادة ولا صورة في الخارج ، فلا يكون له مادة ولا صورة في الذهن ، وبالتالي لا يكون له جنس ولا فصل . وذلك كالمجردات التامّة ، فإنها ليست مركبة من مادة وصورة ؛ لأن المادة استعداد ، والاستعداد لا معنى لوجوده في عالم التجرّد كما سيأتي .
وأما الأعراض ، فحين يقوم العقل بتحليلها باعتبارها من الماهيات ، يجد فيها جزءاً مشتركاً وجزءاً مختصاً ، فيطلق على الأول اسم الجنس وعلى الثاني
شرح بداية الحكمة — صفحة 288
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٨