تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

الانحصار بالمواد الثلاث

تتألف القضية منطقياً من أجزاء ثلاثة على الأقل هي الموضوع والمحمول والنسبة ، والبحث في وجود جزء رابع وهو الحكم - كما هو رأي المصنف - موكول إلى محلّه . والنسبة هي التي تربط بين المحمول والموضوع ، بحيث تفيد أن المحمول ثابت للموضوع أو أنه غير ثابت له . وللنسبة كيفيات ثلاث بالحصر العقلي : فإما أن يكون المحمول ثابتاً للموضوع بالضرورة ويستحيل الانفكاك عنه ، وإما أن يكون المحمول غير ثابت للموضوع بالضرورة ويستحيل الجمع بينهما ، وإما أن يكون ثبوت المحمول للموضوع بنحو الإمكان بحيث يمكن ثبوته له ويمكن عدم ثبوته له . فالأول هو الوجوب ، والثاني هو الامتناع ، والثالث هو الإمكان . والكلام هنا في مطلق القضية ، أعم من أن يكون المحمول فيها هو الوجود أو غيره . وبعبارة فلسفية : أعم من أن تكون القضية هلية بسيطة أو مركبة .

الفرق بين الجهة والمادة

ويعبّر عن الوجوب والإمكان والامتناع في المنطق بالجهة ، وأما في الفلسفة فقد عبّر المصنف وغيره عن هذه الأمور الثلاثة بلفظ المواد ، فما هو الفرق بين الجهة والمادة ؟ لا إشكال في أنه في كل قضية توجد نسبة ، وهذه النسبة لا تخرج عن إحدى الكيفيات الثلاث في نفس الأمر ، سواء علمنا بها أم لم نعلم . فإذا كان النظر إلى الكيفية الواقعية بغضّ النظر عن ذكرها في الكلام واللفظ تسمى مادة ، وإذا ذكرت تلك الكيفية في الكلام فتسمى الجهة . فالجهة هي المادة إذا ذكرت في الكلام . والجهة قد تطابق المادة وقد لا تطابقها ، كما لو أخطأ الإنسان في جهة القضية ، وأما المادة فلا يتصوّر فيها الخطأ لأنها أمر واقعي . والمنطقي يبحث عن جهات القضايا ، أي مقام الإثبات سواء طابق الواقع أم لم