والأخبار فيه كثيرة .
وأمّا ما يدلّ على وجود العالمين المتوسّطين - أعني عالم التجرّد التامّ ، وعالم المثال - فأشياء كثيرة من الكتاب والسنّة ، غير أنّ مورد كثير منها العود - أعني أخبار البرزخ وما بعده - وهي من شواهد ما قصدنا إثباته باعتبار تطابق المبدأ والمعاد .
وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 1 » تدلّ بعمومها على أنّ لجميع موجودات عالمنا هذا وجودات مخزونة عنده تعالى ذات سعة غير محدودة ، ولا مقدرة ، إذ ظاهرها أنّ التقدير إنّما يحدث مع التنزيل ، وليس التنزيل بالتجافي وتخلية المحلّ بالنزول ، لقوله تعالى :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 2 » ، وهذه الآية إذا ضمّت إلى قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 3 » ، وقوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
« 4 » أفادت أنّ ما عند اللّه وجه له سبحانه ، ثمّ قوله تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
« 5 » تفيد أنّ للّه سبحانه في كلّ شيء وجها .
وبعبارة أخرى : أنّ في كلّ شيء وجها إلهيّا ووجها كونيّا خلقيا ، وهذا الوجه حيث إنّه بمقدار فهو محدود مثالي ، وقد أفاد قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
وجها آخر غير محدود ولا مقدّر .
فتبيّن أنّ لعالمنا هذا وجها إلهيّا مقداريّا باقيا قبله ، وهو عالم المثال ، ووجها مجرّدا عن المقادر باقيا ، وهو عالم العقل والتجرّد .
هامش
( 1 ) الحجر 15 : 21 .
( 2 ) النحل 16 : 96 .
( 3 ) القصص 28 : 88 .
( 4 ) الرحمن 55 : 26 و 27 .
( 5 ) الرعد 13 : 8 .