فقد أثبت صلوات اللّه عليه القدر ، وهو تأثير ما للحقّ سبحانه في نظام الموجودات بسبق الرحمة على الأعمال ، أي تقدّم الصفة على النظام فلخصوصيّات الصفات اقتضائات في خصوصيّات النظام ، ولولا ذلك لكانت الصفات متأخّرة عن الموجودات ، وباقتضائها فيكون الموجود الخارجي سابقا على الصفة الإلهيّة .
ثمّ أكّد عليه السّلام هذا المعنى وشيّده في آخر الخبر بأنّ المشيّة الإلهيّة غالبة على كلّ حال ، وغايته حاصلة على أي تقدير ، وأنّ الإرادة لا تتخلّف عن المراد ، والمغيّا واقع على طبق الغاية لا محالة .
وهذا - أعني عدم التخلّف - إنّما هو في الروابط العامّة الإلهيّة ، وأمّا الخاصّة كالرحمة الخاصّة والرزق الخاصّ ونحو ذلك ، فربّما تتخلّف إذا نسبت إلى كلّ الموجودات ، فافهم .
وإلى هذا يمكن أن يشير ما في علل الشرائع : مسندا عن جميل ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : « سألته عن قول اللّه :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » .
قال : خلقهم للعبادة .
قلت : خاصّة أم عامّة ؟
قال : لا بل عامّة » الخبر « 2 » .
واعلم أنّ آخر الخبر الشريف من شواهد ما مرّ في آخر الفصل السابق أنّ صفات الفعل متقدّمة على الموجودات لها وجود ما في مرتبة الأسماء الذاتيّة ، وإلّا لم يكن الاتّصاف بالحقيقة على ما لا يخفى .
هذا إجمال ما يدلّ على وساطة الأسماء والصفات بينه تعالى وبين الموجودات ،
هامش
( 1 ) الذاريات 51 : 56 .
( 2 ) علل الشرائع : 1 : 49 ، باب علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم ، الحديث 12 .