في هذه الدنيا ، ونشرهم فيها ، وأشهدهم على أنفسهم بإرائة آياتها واحتياجاتها إلى ربّ مدبّر ، فاعترفت بهذه الآيات ودلالتها قلوبهم ، وقالوا بلسان حالهم :
بَلى شَهِدْنا ،
إلّا أن سياق هذه الآيات يعطي أنّ هذا الأخذ العمومي والإشهاد إنّما كان قطعا لحجّتين يمكن أن يحتجّوا بهما يوم القيامة ، إذ
وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
« 1 » ، وهما
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
« 2 » ، أو إنّا وإن لم نغفل لكنّ الذنب إنّما هو من آبائنا من قبل ، ونحن إذ كنّا ذرّيّتهم تبعناهم في شركهم ، أفتهلكنا بفعل فعله هؤلاء المبطلون .
ويؤوّل المراد إلى أنّ هذا الأخذ والإشهاد إنّما هو لترتفع الغفلة نفسها ، أو يبطل أثرها ، وليبطل أثر التبعيّة بالولادة ، وإن لم يغفل التابع ، ومن الواضح أنّ الغاية الثانية لا تترتّب على هذا الأخذ والإشهاد ، فارتفاع الغفلة يقطع العذر كائنا ما كان ، ولا قاطع غيره ، فإضافة غاية أخرى إلى الأولى ، كائنة ما كانت ، توجب ردائة الكلام وسماجته ، وحاشا كلامه سبحانه .
ولو جعل قوله تعالى :
أَنْ تَقُولُوا . . .
غاية لقوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ ،
وقوله :
أَوْ تَقُولُوا . . .
غاية لقوله :
وَإِذْ أَخَذَ . . .
يصير الكلام أردى وأسمج ، إذ يصير المعنى أنّ ربّك أخذ ذرّيّة بني آدم من ظهورهم ، وفكذلك بين الجميع لئلا يقع بعضهم تحت تبعيّة بعض لعدم انفصالهم عنهم فيقولوا يوم القيامة إنّ الفاعلين للشرك إنّما هم آبائنا ، فلماذا تعذّبنا . هذا إذ لا آباء ولا ذرّيّة بعد فرض عدم الانفصال .
فهذا الموطن لا يجوز أن يكون هو موطن الحياة الدنيا ، بل الآية الشريفة
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا
تفيد أنّ هناك كان موطنا لولا تفكيك الذرّيّة من آبائهم
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 166 .
( 2 ) الأعراف 7 : 172 .