ومنها : أخبار الذرّ والميثاق ، وهي على كثرتها تبيّن أنّ اللّه سبحانه اتّخذ الميثاق بعد ما عرضه على السعيد والشقي معا ، فأخذ إقرارهم على ربوبيّته ، وحقيقة الحق ، وبطلان الباطل ، كما يومي إليه آيات من القرآن :
قال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » .
بيّن سبحانه أنّه أخذ ذرّيّة بني آدم من ظهورهم ، وأخذ منهم الإقرار على ربوبيّته ، ومن المعلوم أنّ أباهم آدم غير معفوّ عن هذا الأمر ، فهو معهم ، فهو في الحقيقة إشهاد له ولذرّيّته جميعا ، فيكون قوله تعالى :
مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
المراد به آدم ، وما يخرج من ظهره ، وما يخرج من ظهر كلّ من ذرّيّته الخارجة من ظهره تغليبا ، ولذلك أطلق فيما يفسّره من الأخبار أنّ اللّه أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة ، ونكتة التغليب الإشارة إلى اعتبار وساطة الناس بعضهم في توليد بعض ، وعدم تأثير هذه الاختلافات في تمام الحجّة عليه وإقرارهم ؛ إذ قالوا :
بَلى شَهِدْنا ،
فيكون كالتوطئة لقوله تعالى بعد :
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ،
فافهم .
ثمّ إنّ الأخذ والإشهاد لو كان موطنه هذه النشأة الدنيويّة كان قوله تعالى :
قالُوا بَلى شَهِدْنا
حكاية عن لسان الحال ، ويكون المراد من أخذهم إيجادهم بالتوليد والتناسل وإشهادهم على أنفسهم
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
إرائتهم أنفسهم بما يشتمل على الآيات الأنفسيّة التي تدلّ على وجود الحقّ ووحدانيّته ، فيترتّب عليه اعترافهم بلسان الحال بتوحيده سبحانه ، فيكون جملة المراد أنّ اللّه سبحانه خلق بني آدم
هامش
( 1 ) الأعراف 7 : 172 - 173 .