فهذا أوّل الفروق التي يفترق بها الروح عن الملائكة ، وهما جميعا من عالم الأمر ، فالروح موجود مجرّد ، محلّى بحلل الكمالات الحقيقيّة ، مبرّأ عن القوة والاستعداد والمنقصة والعدميات ، منزّه عن الاحتجاب بحجب الزمان والمكان ، سائر في مراتب الأمر ومدارج النور ، وهو مع ذلك يقبل أن ينزل عن عالمه إلى هذا العالم فيتّحد بالأجسام ويتصرّف في جميع الأنحاء الجسميّة والجهات الاستعداديّة والإمكانيّة ، بالاتّحاد من غير واسطة ، بخلاف الملائكة ، فإنّهم محدود الوجود بعالم الأمر ، لا يجاوزون أفق المثال .
ثمّ إنّه سبحانه قال :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
الآية « 1 » .
فبيّن أنّ هبوطهم إلى الأرض يوجب انشعاب الطريق إلى شعبتين : شعبة السعادة ، وشعبة الشقاوة ، وتفرّقهم فريقين : فريق في الجنّة ، وفريق في السعير .
ثمّ قال سبحانه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
« 2 » .
فبيّن أنّ طريق الشقاوة في الحقيقة هلاك وبوار ، فهناك منتهى سفرهم من عالم القدس ، وأمّا طريق السعادة فهو الحياة الجارية الدائمة .
قال تعالى :
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
« 3 » .
وقال سبحانه :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآيتان 38 - 39 .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 28 .
( 3 ) سورة يونس : الآية 2 .
( 4 ) سورة النحل : الآية 96 .