وكيف كان ، فأصحاب الأعراف هم المهيمنون على المكانين ، المشرفون على الفريقين ، وليست هذه الكثبان كثبان رمل من مادة أرضنا ، فقد قال سبحانه في وصف الأرض :
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
« 1 » ، بل إنّما هو مقامهم المرتفع عن ساحة أهل الجمع فهم غير محضرين ، فهم المخلصون الذين حفظهم اللّه سبحانه من صعقة النفخ ، وفزع اليوم ومقامهم الحجاب ، وفيه الرحمة التي وسعت كلّ شيء ، والنّار التي أحاط بأهلها سرادقها وهو المستشعر بقوله تعالى :
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
« 2 » .
ولم يقل سبحانه : « فأذّن بينهم مؤذّن » - كما لا يخفى - وهم الحاكمون يوم القيامة .
قال سبحانه :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
« 3 » ، وهي الجنّة - كما مرّ - وكما يدلّ عليه قوله :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
« 4 » ، وهم أصحاب الروح المأذون لهم في الكلام والقول الصواب ، في قوله سبحانه :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
« 5 » .
وقد فصّلنا القول في معنى الروح وإيمانه وعلمه في رسالة الإنسان قبل الدنيا في قوله سبحانه :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
« 6 » ، فهم - أعني أصحاب الأعراف - هم المعنيّون ظاهرا بقوله سبحانه :
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 107 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 44 .
( 3 ) سورة الأعراف : الآيتان 48 و 49 .
( 4 ) سورة الأعراف : الآية 49 .
( 5 ) سورة النبأ : الآية 38 .
( 6 ) سورة الشورى : الآية 52 .