الأدب ، ومشاكلة الفضل ، فتجاورا وتزاورا وتصادقا وتعاشرا ، وتجاريا في حلبة المذاكرة ، وتجاذبا أهداب المحاضرة ، وجعل أبو عبد اللّه يرسل لسانه في ميدانه ، ويرخى من عنانه ، فيرمي هدف الإحسان ، ويصيب شاكلة الصواب ، فقال فيه أبو الفتح [ من الرجز ] :
محمّد بن حامد إذا ارتجل * ومرّ في كلامه على عجل
نقّب خدّ كلّ ندب سابق * بنثره ونظمه ثوب الخجل « 1 »
أقلامه يسقين كلّ ناصح * وكاشح كأسيّ حياة وأجل
فناصحوه مشرقون بالأمل * وكاشحوه مشرقون بالوجل « 2 »
أبقاه للدين والدنيا معا * وللمعالي ربّنا عزّ وجل
وقال فيه أيضا [ من المتقارب ] :
بنفسي أخ نفسه أمّة * وتدبيره في الورى فيلق
أخ باب إحسانه مطلق * وباب إساءته مغلق
كريم السجايا فلا رأيه * بهيم ولا خلقه أبلق « 3 »
محمد أنت قرى ناظري * فكيف إذا غبت لا أفلق « 4 »
رهنتك قلبي وحكم القلوب * إذا رهنت أنّها تغلق
وقال فيه أيضا [ من الرجز ] :
يا من أراه للزمان حسنه * ومن حوى من كلّ شيء أحسنه
إن غبت عني سنة فهي سنه * وسنة تحضر فيها وسنه « 5 »
هامش
( 1 ) النّدب : أثر الجرح ، والندب : السريع إلى الفضائل .
( 2 ) الكاشح : المبغص ، والوجل : الخوف .
( 3 ) الأبلق : ما كان في لونه سواد وبياض يقصد أنّ أخلاقه مستقيمة لا تتغيّر في حالتي الرضى والغضب .
( 4 ) أفلق : أتشقق من الغيظ .
( 5 ) السّنة : النعاس الذي يتقدّم النوم ، والوسن : غفلة قصيرة .