فلما انتضاك البرء عادت كأنّها * غياهب بأس قشّعتها مواهب
نظرت إلى دنياك نظرة قادر * فلم يبق فيها سائل ومغالب
سواي فإنّي سائل أن تغبّ لي * سحائب نعمى كلهن ربائب « 1 »
فما في لساني شكر ما أنت منعم * ولا في بناني حصر ما أنت واهب
أنلني بقدري لا بقدرك ، إنّما * تجود على قدر الأتيّ المذانب « 2 »
وقال من أخرى [ من البسيط ] :
مستوقفي بين ذلّ الصدّ والملل * لاحظ لي منك إلّا لذّة الأمل
أرضي بطيفك بل أرضى بذكرك أن * يتلى وذكراي مقرونين في الغزل
لا ترحلنّ فما أبقيت من جلدي * ما أستطيع به توديع مرتحل
ولا من الغمض ما أقري الخيال به * ولا من الدمع ما أبكي على طلل
نعم لي العزمة الغرّاء إن وخدت * لم تحتفل بوجيف الخيل والإبل « 3 »
تحوي مرادي على رغم العواذل من * ربّ الأكاليل لا من ربّة الكلل
قد زدت يا ليلة التوديع في حزني * ولم تزل يا صباح الوصل في جذل « 4 »
وأنت يا جسدا لجّ القضاء به * حتى برته يد الأوجاع والعلل
كيف احتملت الضّنا في الظاعنين ضحى * وكنت للشوق فيهم غير محتمل
عجبت أنّى يحلّ السّقم في بدن * لو شاء جاز الردى سرا من الأجل
لم يبق منه سوى قلب يقلّبه * في مطلب العزّ بين البيض والأسل
مقسّم قلبه في كلّ مرحلة * شوقا إلى العزّ لا شوقا إلى الغزل
هامش
( 1 ) تغبّ : تمطر تعقب .
( 2 ) الأتيّ : السّيل .
( 3 ) الوجيف : الخفقان والاضطراب .
( 4 ) وفي نسخة « ولم تزد يا صباح الوصل في جذل » .