« إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن »
وكتب إلى بعض إخوانه هذه القصيدة ، ليعرضها على أبي الحسن العباسي ، وهي سائرة في الآفاق ، وكأنه قد جمع فيها أكثر إحسانه ، فقال [ من الكامل ] :
قد ذبت غير حشاشة وذماء * ما بين حرّ هوى وحرّ هواء « 1 »
لا أستفيق من الغرام ولا أرى * خلوا من الأشجان والبرحاء
وصروف أيام أقمن قيامتي * بنوى الخليط وفرقة القرناء
ومثير هيج لا يشقّ غباره * فيما خباه مهيّج الهيجاء
وجفاء خلّ كنت أحسب أنّه * عوني على السّراء والضرّاء
ثبت العزيمة في العقوق وودّه * متنقّل كتنقّل الأفياء
ذي ملّة يأتيك أثبت عهده * كالخطّ يرقم في بسيط الماء
أبكي ويضحكه الفراق ولن ترى * عجبا كحاضر ضحكه وبكائي
نفسي فداؤك يا محمد من فتى * نشوان من أكرومة وحياء
كأس من الشّيم التي في ضمنها * درك العلا عار من العوراء « 2 »
عذب الخلائق قد أحطت بخبره * وبلوته في شدّة ورخاء
وبلوت حاليه معا فوجدته * في العود أكرم منه في الإبداء
أبلغ رسالتي الشريف وقل له * ( قدك اتئب أربيت في الغلواء ) « 3 »
أنت الذي شتّت شمل مسرتي * وقدحت نار الشوق في أحشائي
وجمعت بين مساءتي ومسرتي * وقرنت بين مبرّتي وجفائي
ونبذت حقّي عشرتي ومودتي * وهرقت مائي خلّتي وإخائي
هامش
( 1 ) الذماء : بقية الروح .
( 2 ) درك العلا : نيلها .
( 3 ) هذا الشطر صدر بيت هو مطلع قصيدة لأبي تمام وتمامه : « كم تعذلون وأنتم سجرائي » .