تخطي إلى المحتوى الرئيسي

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
ذكاؤه إن دجا ليل الشكوك ضحى * وظلّه إن خطا صرف الردى حرم « 1 »
فلو عدا الكرم الموصوف راحته * عن أن يجاوزها لم يكرم الكرم
الشجاعة أقل أدواته ، والبلاغة أصغر صفاته ، يطرق الدهر إذا نطق ، وينطق المجد إذا افتخر . فالآمال موقوفة عليه ، والثناء أجمع مصروف إليه ، نهض بما قعدت همم الملوك عن ثقله ، وضعف الدهر عن معاناة مثله . بهمم سيفية ، وعزائم علوية ، فرد شمل الدين جديدا ، وذميم الأيام حميدا ، بحق أوضحه ، وخلل أصلحه . وهدى أعاده ، وضلال أباده [ من الطويل ] :
فلا انتزع اللّه الهدى عزّ بأسه * ولا انتزع اللّه الوغى عزّ نصره
وأحسن عن حفظ النبي وآله * ورعي سوام الدين توفير شكره
فما تدرك المدّاح أدنى حقوقه * بإغراق منظوم الكلام ونثره
لأن أدنى نعمة تستغرق جماع الشكر ، وأيسر منة تفوت المبالغة في جميل الذكر ، فأما هذا الفتح الشريف خطره ، الحميد أثره ، المشهور بلاؤه ، الواجب ثناؤه ، الباسق فرعه ، العام نفعه ، فأشرف من أن يحد بالصفات ، أو يعد بأفصح العبارات ، لإجراء اللّه تعالى سيدنا فيه من نيل الإرادة ، على مشكور العرف والعادة ، فيما ابتسم به من ثغر الدين ، وشمل صلاحه كافة المسلمين [ من البسيط ] :
كأنّما ادّخر الرحمن معظمة * دون الملوك لسيف الدولة البطل « 2 »
رآه أكرمهم في الخير إن ذكروا * وصفا ، وأفضلهم في القول والعمل
فهزّه وظبا الأسياف مغمدة * واستلّه غير منسوب إلى الفلل « 3 »
هامش
( 1 ) دجا : أظلم ، والردى : الموت . ( 2 ) ادّخر : أبقى ، وجمّع ، ومعظمة : أي أمرا عظيما . ( 3 ) الفلل : التقطع والتثلم في حدّ السيف .
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر — صفحة 303 | عبد الملك الثعالبي النيسابوري / مفيد محمد قمحية