تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
تدبيره قصد الكافي في منطقة ، وليقصد في كلامه ، وليوجز في ابتدائه ، وليأخذ بمجامع حجته ، فان ذلك مصلحة لعقله ، ومجمة لذهنه ، ومدفعة للتشاغل عن اكثاره ، وان لم يكن الاكثار عادة ، ثم وضع موضعه في ابتداء كتاب أو جواب عند الحاجة فلا بأس ، ولا يدعون الرجل منكم صنع اللّه ، تعالى ذكره له في أمره ، وتأييده إياه بتوفيقه ، إلى العجب المضر بدينه ، وعقله وأدبه ، فإنه ان ظن منكم ظان ، أو قال قائل : ان ذلك الصنع لفضل حيلته ، وأصالة رأيه ، وحسن تدبيره ، كان متعرضا لان يكله اللّه إلى نفسه ، فيصير منها إلى غير كاف ولا يقل أحد منكم انه آدب وأعقل وأحمل لعبء التدبير والعمل من أخيه في صناعته ، فان أعقل الرجلين ، عند ذوي الألباب ، القائل : ان صاحبه أعقل منه ، وأحمقهما الذي يرى أنه أعقل من صاحبه ، لعجب هذا بنفسه ، ونبذ ذاك العجب وراء ظهره ، إذ كان الآفة العظمى من آفات عقله ، ولكن قد يلزم الرجل أن يعرف فضل نعمة اللّه عليه من غير عجب برأيه ، ولا تزكية لنفسه ، ولا تكابر على أخيه وكفئه ، ويشكر اللّه ويحمده بالتواضع لعظمته . وأنا أقول في آخر كتابي هذا ما سبق به المثل : من يلزم النصيحة يلزمه العمل ، وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه . بعد الذي فيه من ذكر اللّه عز وجل ، فلذلك جعلته آخره ، وختمته به . تولانا اللّه وإياكم معشر الكتاب بما يتولى به من سبق علمه في سعادته وارشاده ، فان ذلك اليه وبيده ، والسلام عليكم ورحمة اللّه . ولما قوي أمر بني العباس وظهر ، قال مروان لعبد الحميد : أنا نجد في الكتب أن هذا الامر زائل عنا لا محالة ، وسيضطر إليك هؤلاء القوم ، يعني ولد العباس ، فصر إليهم ، فأني أرجو أن تتمكن منهم فتنفعني في مخلفي . وفي كثير من أسبابي ، فقال له : وكيف لي بأن يعلم الناس جميعا أن هذا عن عن رأيك ، وكلهم يقول : اني غدرت وصرت إلى عدوك ، وأنشد :
أسر وفاء ثم أظهر غدرة * فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره !
وأنشد أيضا :
فذنبي ظاهر لا عيب فيه * للأئمة وعذري بالمغيب
فلما سمع ذلك مروان علم أنه لا يفعل ، ثم قال له عبد الحميد ، الذي أمرتني به أنفع الامرين لك ، وأقبحهما بي ، ولك علي الصبر معك إلى أن يفتح اللّه عليك ، أو أقتل معك .

مقتل عبد الحميد وسيرته :

ولما قتل عامر بن إسماعيل المسلمي مروان ظفر بعبد الحميد كاتبه ، فعرض عليه رؤوس القتلى ، لأنه قتل في ستة أو سبعة من خواصه ، وكانوا معه ، فعرفه رأسه ، وحمل عبد الحميد إلى أبي العباس فسلمه إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن فكان يحمي طستا