وفيهم بالفطرة قوة عليه وتلطّف فيه وهداية إليه ، لما في أخلاقهم من الملق والسياسة « 1 » التي أربوا فيها على كلّ من تقدّم وتأخّر ، وخصّوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم ، حتّى صار أمرهم في ذلك مشهورا ، والمثل بهم مضروبا .
وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس « 2 » :
محضتكم يا أهل مصر نصيحتى * ألا فخذوا من ناصح بنصيب « 3 »
رما كم أمير المؤمنين بحيّة * أكول لحيّات البلاد شروب
[ ولا تثبوا وثب السّفاة فتركبوا * على حدّ ] حامى الظهر غير ركوب « 4 »
فإن يك باقي إفك فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب
* * * وأما حال المنتسبين إلى العلم منهم فأنا ذاكر منها ما وقفت عليه ، وكشفت بالمحنة عنه . كنت في أول جلوسى بها شديد العناية بكتب جالينوس وبقراط ، باحثا عن مشكلها ، فاحصا عن مستغلقها ، فحرصت كلّ الحرص ، وجهدت كلّ الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته ، فلم أجد غير قوم طبع اللّه على قلوبهم وأعمى أبصارهم ، وطمس أفهامهم ، وحال بين الحكمة وبينهم ، فكانوا وإيّاى ، كما قال الشاعر :
قوم إذا جالستهم * صدئت بقربهم العقول
لا يفهمونى قولهم * ويدقّ عنهم ما أقول
فهم كثير بي كما * أنّى بجمعهم قليل
هامش
( 1 ) في الخطط ( 1 : 49 ) : « الملق والبشاعة » .
( 2 ) الأبيات الأربعة في ديوانه ( 103 - 104 ) يمدح بها الخصيب أمير مصر .
( 3 ) في الديوان : « منحتكم يا أهل مصر » .
( 4 ) التكملة من الديوان ( 103 ) ، وموضعها بياض في الأصل . حامى الظهر : هو البعير الذي حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشئ ولا يمنع من ماء ولا مرعى . وفي الأصل :
« مانى الظهر » صوابه من الديوان . والبيت لم يرد في الخطط .