وزعم أهل الحيل والتّجارب والجماعة الكبرى ، أنّ صاحب مالك قد شغلهم بأنفسهم عنك ، فإن فرغوا أتوك .
وقد أسمعك الدّاعي ، وأعذر فيك الطّالب ، وانتهى الأمر فيك إلى حدّ الرّجاء .
ولا أحد أعظم رزيّة في عقله ، ممّن ضيّع اليقين ، وأخطأ الأمل .
ثم التفت إلى الملك ، فقال :
أيّها الملك المنعم : إنّ أعظم العطيّة ما أعطيتنا ، بجمعك إيّانا ، وإذنك في الكلام لنا ؛ وخير الهديّة لك ما حمّلتنا .
وإنّا - أيّها الملك الرّفيع جدّه - مع معرفتنا بفضلك ، لم نرفعك فوق منزلتك ؛ وبحسبك ألّا يكون إلّا الخالق فوقك ، ونعم المخلوق أنت ، تردّ المدبر إلى حظّه ، وتكفّ المستعجل إلى حتفه ، وتدلّ « 16 » مبتغي الخير إلى بغيته ؛ وبمثل دوائك يشفى السّقيم ؛ فدام مجيء الخير منك لنا ، والإنعام علينا ، والشّكر منّا .
ثم أقبل على النّاس كافّة بالموعظة ، فقال :
يا أيّها النّاس : إنّما البقاء بعد الفناء ، وقد خلقنا ولم نك شيئا ، وسنبلى ثم نعود ، [ 127 ب ] ألا وإنّما العواري اليوم ، والهبات غدا ، ألا وإنّا قد ورّثنا من قبلنا ، ولنا وارثون ؛ وقد حان رحيل عن محلّ نازل ، ألا وقد تقارب سلب منقلب فاحش ، أو عطاء جزيل ؛ فاستصلحوا ما تقدمون عليه ، بما تظعنون عنه ، واسلكوا سبيل الخير ، ولا تستوحشوا منها لقلّة أهلها ، واذكروا حميد الصحبة لكم فيها .
هامش
( 16 ) في الأصل : وتترك ! .