يا أيّها النّاس : إنّي أعظكم ، وأبدأ بنفسي : استبدلوا « 17 » العواري بالهبات ، وارضوا بالباقي خلفا من الفاني ، واستقبلوا المصيبات بالحسبة ، تستخلفوا بها نعما ؛ واستديموا الكرامة بالشّكر ، تستحقّوا الزّيادة ، واعرفوا فضل البقاء في النّعم ، والغنى في السّلامة ، قبل الفتنة الملبسة بالمثلة السّيّئة ، وقبل انتقال النّعم وزوال الأيّام ، وتصرّف الخطوب .
يا أيّها النّاس « 18 » ، إنّما أنتم في هذه الدّنيا أغراض تنتضل فيكم المنايا ، وأنتم فيها نهب للمصيبات ؛ مع كلّ جرعة لكم شرق ، وفي كلّ أكلة لكم غصص ، لا تنالون نعمة إلّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلّا بهدم آخر من أجله ، ولا يجد لذّة زيادة في أجله إلّا بنفاذ ما قبله من رزقه . [ و ] لا يحيا له أثر إلّا مات له أثر ، فأنتم أعوان الحتوف [ على أنفسكم ] « 19 » ، و [ في معايشكم ] « 19 » ، وأسباب مناياكم ، لا يمنعكم شيء « 20 » منها ، ولا يعينكم شيء عليها ، لها بكلّ سبب صريع مخترم ، ومتقرّب منتظر ؛ لا ينجو من حبائلها الحذر ، ولا يدفع عن مقاتلها الأرب .
فهذه أنفسكم تسوقكم ، فمن أين تطلبون البقاء ؟ وهذا اللّيل
هامش
( 17 ) في الأصل : واستبدلوا .
( 18 ) من هنا إلى نهاية الخطبة ، ورد منسوبا للإمام عليّ في شرح نهج البلاغة 9 / 91 .
ولعمر بن الخطاب في نثر الدر 2 / 49 وشرح النهج 12 / 18 .
ولعمر بن عبد العزيز في حلية الأولياء 5 / 165 .
ولمحمّد بن الحنفيّة في التذكرة الحمدونية 1 / 102 .
ولحكيم في العقد الفريد 3 / 149 .
( 19 ) الزيادة من أسرار الحكماء ونثر الدر .
( 20 ) في الأصل : شيئا ! .