( حكاية ) قال محمد بن جرير : خرجنا جماعة في طلب العلم فنزلنا بمدينة واشتغلنا بالعلم فنفدت نفقتنا فأردنا الرجوع وإذا بيهودي قد دفع لكل واحد منا ثلاثة دراهم وهكذا أربعين مرة فسألناه عن ذلك فقال : قرأت في التوراة فإذا فيها أفضل نفقة في سبيل اللّه على متعلمي العلم فما رأيت أحدا من اليهود يطلب ما تطلبون فودعناه وقصدنا الحج فرأيته يوما حول الكعبة فقلنا له ما السبب ؟ قال رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام فقال إن اللّه تعالى قد أكرمك بالإسلام بإنفاقك على أهل العلم فأسلمت على يديه وكان في داري سبعة عشر نفسا وكل واحد منهم رأى مثل ما رأيت فأسلموا جميعا . ( قال المؤلف رحمه اللّه ) وقع السؤال عن العقل والعلم أيهما أفضل واختلف في الجواب عن ذلك والذي يظهر واللّه أعلم أن العقل أفضل لأن الصبي وإن كان عالما مأذونا له بالإفتاء فلا تصح توليته إماما للمسلمين ولا قاضيا لهم ولا يصح طلاقه ولا كثير من الأحكام الشرعية والعاقل يصح ذلك منه بشرط التكليف ولا يشترط العلم في غالب ما ذكرناه ، وأيضا العلم مفتقر إلى العقل والعقل لا يتفقر إلى العلم ، وأيضا قالوا لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد وما قالوا يصرف للعلماء قال في عوارف المعارف العقل على قسمين : قسم ينظر به إلى أمر الآخرة وهو من نور الهداية ومسكنه القلب وقسم ينظر به إلى أمر الدنيا وهو من نور الروح ومسكنه الدماغ ولهذا صار الزهاد في الدنيا أعقل الناس ، قال الجنيد رضي اللّه عنه : أكرم اللّه المؤمنين بالإيمان وأكرم الإيمان بالعقل ، وأيضا لو جنى شخص على شخص فأزال عقله لزمه الدية وإن أزال علمه لزمته حكومة وتقدم بيانها في باب العقل وأيضا العقل مستفاد من اللّه تعالى والعلم مستفاد من عباده . قال في تحفة الحبيب فيما زاد على الترغيب والترهيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال عيسى يا رب أخبرني عن هذه الأمة المرحومة قال إنها أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم حكماء علماء كأنهم من الحكمة والعلم أنبياء يرضون مني باليسير من العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل أدخل أحدهم الجنة بأن يقول لا إله إلا اللّه . وعن أبي ذر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « قال اللّه تعالى يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا اللّه تعالى ، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم لهم ولا علم .
قال يا رب كيف يكون ذلك ؟ قال : أعطيهم من علمي وحلمي » . قال العلائي في قوله تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء : 79 ] قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث وإن عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي وأنا أولى الناس به . قال في العرائس : كانت مريم تتعبد في المسجد الحرام مع رجل من قومها يقال له يوسف ولهما قليب يعني بئرا كل واحد منهما يأتي بماء في يوم من كهف فلما كان يوم مريم خرجت إلى الماء فنزعت درعها في الكهف فجاءها جبريل في صورة رجل وهو قوله تعالى :
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ
[ آل عمران : 42 ] الآية فأخذ التراب الذي فضل من تراب آدم ونفخه في جيب درعها فلما استقت الماء ولبست درعها تحرك الولد في بطنها فلما جاءها المخاض تحولت عند أختها من الجامع فأنكر عليها يوسف وقال يا مريم هل ينبت الزرع من غير بذر قالت نعم أنبت اللّه الزرع يوم خلقه من غير بذر فلما تحولت عند أختها امرأة