كان بيننا وبين صنعاء خمس مراحل رأيت الناس ينزلون عن رواحلهم ، فقلت : إلى اين تريدون ؟ قالوا : زيارة قبر عروة وعفراء ، فقلت : خذونى معكم ، فلما توجهت معهم انتهينا إلى واد هناك ، وإذا بقبرين متلاصقين ، وقد خرج من هذا القبر ساق شجرة ، ومن الآخر مثله فلما سارا على قدر قامة التف بعضهما ببعض ، وعلى القبر لوح رخام ابيض ، وعليه مكتوب هذه الأبيات :
غصنان من دوحة طال اعتناقهما * فحاولتها صروف الدهر فافترقا
فصار ذا في يد تحويه ليس له * منها براح وهذا في الفلاة لقا
حتى إذا ذويا يوما وضمهما * بعد التفرق بطن الأرض فاتفقا
وإلى صنعاء ينسب أبو عبد اللّه وهب بن منبه الصنعاني - وقد تقدم ذكره .
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين دخل القرامطة صنعاء ، وكان وإليها الأمير أسعد بن أبي يعفر من صوب المكتفي بن المعتضد العباسي ، فانحاز إلى ثلا وقدم .
قلت : والقرمطي هو علي بن الفضل رجل من أهل اليمن ، خنفري النسب من ولد خنفر بن سبأ الأصغر ، كان صاحب مذهب خبيث ودين مشؤم ارتكب محظورات الشرع وادعى النبوة ، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه اشهد ان علي بن الفضل رسول اللّه ، وأباح لأصحابه شرب الخمر ، ونكاح البنات ، وسائر المحرمات .
وكان عنوان كتابه إذا كتب : من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان .
وأنشد ابياته المشهورة على منبر صنعاء ، وقيل : على منبر الجند ، وهي التي يقول فيها - اصلاه اللّه نارا خالدا فيها - :
خذي الدف يا هذه واضربى * وغني هزاريك ثم اطربى
تولى نبي بني هاشم * وهذا نبي بني يعرب
أحل البنات مع الأمهات * ومن فضله زاد حل الصبى
وقد حط عنا فروض الصلاة * وحط الصيام ولم يتعب