ثم فتح عليه بعد ذلك ونال مرتبة عظيمة ، واقبل عليه الناس من كل ناحية وكانت له زاوية بقرية المحمول ، وأخرى بقرية اللحية - بضم اللام الثانية المشددة وفتح الحاء وتشديد الياء - وكان له في كل موضع منهما أصحاب وفقراء يجتمعون عقيب الصلاة لتلاوة القرآن والذكر وغير ذلك .
وظهرت له كرامات كثيرة لا تنحصر ، منها ما يروى انه وصل من قرية اللحية إلى قرية المحمول وقد اجدبوا مدة طويلة ، فعند ان وصل إليهم جاءت اليه بهيمة وجعلت تخور بين يديه ، فدخل المسجد ودعا اللّه تعالى ، ثم قال يا ميكائل كل فاجتمع السحاب للفور من كل ناحية ، ومطروا مطرا عظيما باذن اللّه تعالى .
وكان أهل وادي خلب - بضم الخاء المعجمة وفتح اللام وآخره باء موحدة - يصحبونه ويقتعدونه ، فجاء إليهم مرة وهم مجدبون ، فجعلوا يلازمونه في السيل فقال لفقير له : اذهب إلى رأس الوادي وقل : يقول لك الفقيه سل الآن ، ففعل الفقير ذلك ، فسال الوادي من ساعته ، وسقوا سقيا هنيأ بفضل اللّه تعالى .
ومن كراماته انه قدم عليه جماعة يزورونه ومعهم دراهم - على سبيل النذر - فلما وضعوها بين يديه جعل يقلبها بسواكه درهما درهما ، واخرج منها ثلاثة دراهم ردها على واحد منهم ، واخرج ستة عشر درهما ردها على آخر ، ثم امر خادمه بقبض الباقي ، فسأل بعض من كان عنده صاحب الثلاثة دراهم عن رد الفقيه لها فقال ليست لي ، ولكن أرسلت بها معي عجوز تحت يدها أيتام خشية ان تأتى بها اليه فيعرفها ، فلا يأخذ منها شيئا ، فجعلتها بين دراهمي ، فأخرجها الفقيه بأعيانها !
وسأل أيضا صاحب الستة عشر درهما عن حاله ، فقال : هي من شيخ الصميين كان مرض له فرس فنذر للفقيه بهذا القدر ، فلما شفى فرسه ارسل بها معي لعلمه انه لو وصل بها هو لم يقبلها منه ، فأخرجها من دراهمي بعينها ، كما رأيت !
والصميون عرب هناك قريبون من موضع الفقيه ، أهل جهل لا يتحرزون عن النهب وغيره .
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 447
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٤٤٧