وخطب الناس لمّا مات ابنه عبد الملك ، فقال : الحمد للّه الذي جعل الموت حتما واجبا على عباده ، فسوّى فيه بين ضعيفهم وقويّهم ، ورفيعهم ودنيّهم ، فقال تبارك وتعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : الآية 185 ؛ الأنبياء : الآية 35 ؛ العنكبوت : الآية 57 ] . فليعلم ذوو النّهى منهم أنّهم صائرون إلى قبورهم ، مقرّون بأعمالهم ، واعلموا أن للّه مسألة فاحصة . قال تبارك وتعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 93 ) [ الحجر : الآيتان 92 ، 93 ] .
وقال : إذا استأثر اللّه بشيء فاله عنه .
وقال في خطبة له : أيها الناس ، إنما الدنيا أمل مخترم ، وأجل منقض ، وبلاغ إلى دار غيرها ، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج . فرحم اللّه امرأ فكّر في أمره ، ونصح نفسه ، وراقب ربّه ، واستقال ذنبه . أيها الناس ، قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنب واحد ، وأنّ ربّكم وعد على التوبة ، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل ، ومن ربّه على أمل .
وقال : لا يتزوج من الموالي في العرب إلا الأشر البطر ، ولا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطّمع الطّبع .
وقال لابنه عبد اللّه : يا بنيّ ؛ التمس الرفعة بالتواضع ، والشرف بالدّين ، والعفو من اللّه بالعفو عن الناس ، ولا تحقرنّ أحدا ؛ فإنك لا تدري لعلّ بعض من تزدريه عينك أقرب إلى اللّه منك وسيلة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ، ولا تنس نصيب الناس منك .
وكتب إليه عديّ بن أرطاة لما حفر نهر عديّ بالبصرة : إني حفرت لأهل البصرة نهرا ، أعذبت به مشربهم ، وجادت عليه أموالهم ، فلم أر لهم على ذلك شكرا ، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقته عليه .
فكتب إليه عمر : إني لا أحسب أهل البصرة عند حفرك لهم هذا النهر خلوا من رجل قال : الحمد للّه . وقد رضي اللّه بها شكرا من جنّته ، فارض بها شكرا من نهرك .
وخطب بعرفات فقال : إنكم قد أنضيتم الظّهر وأرملتم ؛ وليس السابق اليوم من سبق بعيره ولا فرسه ، ولكن السابق اليوم من غفر له .