تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
هذا الموضع ماء ، فأحفرني واشترط عليّ أنه أوّل شارب يأتي السبيل . قال : فحضرته في جمعة وهو يخطب فسمعته يقول : أيّها الناس ، إنّكم ميّتون ، ثم إنكم مبعوثون ، ثم إنكم محاسبون ؛ فلعمري : لئن كنتم صادقين لقصرتم ، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم ، أيّها الناس ، إنه من يقدّر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته ، فأجملوا في الطلب . قال : فأقمت عنده شهرا ما بي إلا استماع كلامه . قيل : أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج ، فقال له : أما تقوّلت في الحجاج ؟ قال : ما عسيت أن أقول في الحجاج ؟ وهل الحجاج إلا خطيئة من خطاياك ؟ وشررة من نارك ؟ فلعنك اللّه ، ولعن الحجاج معك . وأقبل يشتمهما ، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال : ما تقول في هذا ؟ قال عمر : وما أقول فيه ؟ هذا رجل يشتمكم ، فإما أن تشتموه كما شتمكم أو تعفو عنه . فغضب الوليد وقال لعمر : ما أظنّك إلا خارجيّا . فغضب عمر وقال : ما أظنّك إلا مجنونا . وقام وخرج مغضبا . ولحقه خالد بن الرّيّان ، فقال له : ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين ؟ واللّه لقد ضربت بيدي إلي قائم سيفي أنتظره متى يأمرني بضرب عنقك . فقال له عمر : وكنت فاعلا لو أمرك ! قال : نعم . فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان ، فقام على رأسه كما كان يقوم على رأس من كان قبله من الخلفاء . قال : وكان رجل من الكتاب يضر وينفع بقلمه ، فجاء حتى جلس مجلسه الذي كان يجلس فيه الخلفاء . قال : فنظر عمر إلى خالد بن الريّان ، وقال : يا خالد ضع سيفك ؛ فإنك تطيعنا في كل أمر نأمرك به ، وضع أنت يا هذا قلمك ؛ فقد كنت تضر به وتنفع . ثم قال : اللهم إني قد وضعتهما لك فلا ترفعهما . قال : فو اللّه ما زالا وضيعين مهينين بشرّ حتّى ماتا . وقال : ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت له أن يمدّ له في حجته ، حتّى يكثر كلامه فأسمعه . ولذلك قال يونس « 1 » : ليس في أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو راجز أو كاهن أو فارس .
هامش
( 1 ) يونس : لعله أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري ، الأديب النحوي ، المتوفّى سنة -
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 89 | خالد عبد الغني محفوظ / أبو سعد منصور بن الحسين الآبي