دينك من معاوية ؛ فأعطيته ما في يدك ، ومنّاك ما في يد غيره ، وكان الذي أخذ منك فوقع الذي أعطاك ، وكان الذي أخذت منه دون الذي أعطيته ؛ وكلّ راض بما أخذ وأعطى ؛ فلما صارت مصر في يدك تتّبعك فيها بالعزل والتّنقّص حتى لو أنّ نفسك فيها ألقيتها إليه .
وذكرت مشاهدك بصفّين ، فما ثقلت علينا وطأتك ، ولا نكأتنا فيها حربك ، وإن كنت فيها لطويل اللسان قصيرع السّنان ، آخر الحرب إذا أقبلت ، وأوّلها إذا أدبرت ، لك يدان : يد لا تبسطها إلى خير ، ويد لا تقبضها عن شرّ ، ووجهان : وجه مؤنس ، ووجه موحش . ولعمري إنّ من باع دينه بدينا غيره لحريّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى ، لك بيان وفيك خطل ، ولك رأي وفيك نكل ، ولك قدرة وفيك حسد ، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك .
فقال عمرو : أما واللّه ما في قريش أثقل وطأة منك ، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك .
وقال بعضهم : قلت لابن عباس : أخبرني عن أبي بكر . قال : كان خيرا كله على الحدّة وشدّة الغضب .
قلت : أخبرني عن عمر . قال : كان كالطائر الحذر قد علم أنّه نصب له في كل وجه حبالة ، وكان يعمل لكل يوم بما فيه على عنف السّياق .
قلت : أخبرني عن عثمان . قال : كان واللّه صوّاما قوّاما ، لم يخدعه نومه عن يقظته .
قلت : فصاحبكم . قال : كان واللّه مملوءا علما وحلما غرّته سابقته وقرابته ، وكان يرى أنه لا يطلب شيئا إلا قدر عليه . قال : أكنتم ترونه محدودا ؟
قال : أنتم تقولون ذلك .
وقيل له : أنى لك هذا العلم ؟ فقال : قلب عقول ولسان سئول .
وقال : من ترك قول : « لا أدري » أصيبت مقاتله .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 285
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٢٨٥