قال : رأيت العبّاس وقد طال عمره ، وعيناه تنضحان ، وسبّابته تجول على صدره ، وهو يقول : اللهم أنت الراعي ، لا تهمل الضالّة ، ولا تدع الكسير بدار مضيعة ، فقد ضرع الصّغير ، ورقّ الكبير ، وارتفعت الشّكوى ، وأنت تعلم السّرّ وأخفى . اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا ؛ فإنّه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون .
قال : فشأت طريرة من سحاب . فقال الناس : ترون ، ترون ، ثم تلامّت واستتمّت ، ومشت فيها ريح ، ثم هدت ودرّت ، فو اللّه ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلّصوا المآزر ؛ وطفق الناس بالعباس يمسحون أردانه ، ويقولون : هنيئا لك ساقي الحرمين .
روى الشعبي قال : قال لي عبد اللّه بن عباس : قال لي أبي العباس : يا بني إنّ أمير المؤمنين قد اختصّك دون من أرى من المهاجرين والأنصار ، فاحفظ عني ثلاثا ولا تجاوزهنّ : لا يجرّبنّ عليك كذبا ، ولا تغتب عنده أحدا ، ولا تفشينّ له سرّا .
قال : فقلت يا أبا عباس ؛ كل واحدة خير من ألف ، فقال : كلّ واحدة خير من عشرة آلاف .
قال العباس : شهدت مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حنينا ، فلما انهزم الناس قال : ناد : يا أصحاب السّمرة ، فناديت ؛ فو اللّه لكانّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها .
قال أبو اليسر : لقيت العباس يوم أحد ، فقال : أصاب القتل محمدا ؟
قلت : اللّه أعزّ له وأمنع ، فقال : جلل ما عدا محمّدا .
وقال العباس : يا بني عبد المطلب اختضبوا بالسّواد ، فإنه أحظى لكم عند نسائكم ، وأهيب لكم في صدور عدوّكم .
وقال لابنه : يا بني تعلّم العلم ، ولا تعلّمه لترائي به ، ولا لتباهي به ، ولا لتماري به ؛ ولا تدعه رغبة في الجهل ، وزهادة في العلم ، واستحياء من التعلّم .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 280
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٢٨٠