تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
فقدت أبا بكر وعمر ، ثم لم ألبث إذ أنا بأبي بكر قد أقبل في أهل السّقيفة ؛ وهم يحتجزون الأزر الصّنعانيّة ، لا يمرّون بأحد إلّا خطبوه ، فإذا عرفوه قدّموه فمدّوا يده ، فمسحوها على يد أبي بكر ، وقالوا له : بايع . شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عند ذلك عقلي ، وخرجت مسرعا حتّى انتهيت إلى بني هاشم - والباب مغلق - فضربت الباب عليهم ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس أبا بكر بن أبي قحافة . فقال العباس : ترحت أيديكم إلى آخر الدهر ؛ أما إنّي قد أمرتكم فعصيتموني . قال البراء : فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبا ذر وأبا الهيثم بن التّيّهان ، وحذيفة بن اليمان . وإذا هم يريدون أن يعود الأمر شورى بين المهاجرين ، وبلغ ذلك أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيدة بن الجرّاح وإلى المغيرة بن شعبة ، فسألاهما عن الرأي ؛ فقال المغيرة : أرى أن تلقوا العبّاس فتجعلوا في هذا الأمر نصيبا له ولعقبه ؛ فتقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب . فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة ، حتى دخلوا على العباس في الليلة الثانية من وفاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فحمد أبو بكر اللّه وأثنى عليه وقال : إن اللّه ابتعث لكم محمدا صلى اللّه عليه وسلم نبيّا ، وللمؤمنين وليّا ، فمنّ اللّه عليهم بكونه بين ظهرانيهم ، حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمورهم ، ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم ، متّفقين لا مختلفين ، فاختاروني عليهم واليا ، ولأمورهم راعيا ؛ فتولّيت ذلك عليهم ، وما أخاف بعون اللّه وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا ،
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
[ هود : الآية 88 ] . وما انفكّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف عامّة المسلمين ، يتّخذكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع ، وخطبه البديع . فإمّا دخلتم فيما اجتمع عليه الناس ، أو صرفتموهم عمّا مالوا إليه ، وقد جئنا ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، يكون لك ويكون لمن بعدك إذ كنت عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وإن كان