تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
قارف الزهري « 1 » ذنبا فاستوحش من الناس ، وهام على وجهه ، فقال زيد رحمه اللّه : يا زهري ، لقنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء أشدّ عليك من ذنبك . فقال الزهري : اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته ، ورجع إلى أهله وماله وأصحابه . من خطبة لزيد رضي اللّه عنه . أوصيكم - عباد اللّه - بتقوى اللّه ، التي من اكتفى بها كفته ، ومن اجتنّ بها وقته . هي الزاد ولها المعاد ؛ زاد مبلغ ، ومعاد منج . دعا إليها أسمع داع ، ووعاها خير واع ، فأعذر داعيها ، وفاز واعيها . عباد اللّه : إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه ، وألزمت قلوبهم مخافته حتّى أسهرت ليلهم ، وأظمأت هواجرهم ، فأخذوا الراحة بالنّصب ، والرّيّ بالظّمإ ، وقرّبوا الأجل فبادروا العمل ، وكذّبوا الأمل ، ولاحظوا الأجل .
طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
[ الرّعد : الآية 29 ] . ثم إنّ الدنيا دار فناء وعناء ، وغير وعبر ، فمن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ، ثم يخرج إلى اللّه عزّ وجلّ لا مالا حمل ولا بناء نقل . ومن الفناء أنّ الدهر موتر قوسه ثم لا تخطئ سهامه ، ولا تشوى جراحه ، يرمي الحيّ بالموت ، والصحيح بالعطب ، آكل لا يشبع ، وشارب لا يروى . ومن غيرها أنّك تلقى المحروم مغبوطا ، والمغبوط محروما ، ليس ذلك إلا نعيما زال وبؤسا نزل . ومن عبرها أن المشرف على أمله يقطعه أجله ، فلا أمل يدرك ، ولا مؤمّل يترك ، فسبحان اللّه ، ما أغرّ سرورها ، وأظمأ ريّها ، وأضحى فيئها ! فكأنّ الذي كان من الدنيا لم يكن ، وكأنّ الذي هو كائن فيها قد كان ، صار أولياء اللّه فيها إلى الأجر بالصّبر ، وإلى الأمل بالعمل ، جاوروا اللّه في داره ملوكا خالدين .
هامش
( 1 ) الزهري : هو محمد بن مسلم بن عبد اللّه الزهري القرشي ، أبو بكر ، الشهير بابن شهاب الزهري ، ولد سنة 58 ه ، وتوفي سنة 124 ه ، صنف « كتاب المغازي » ( انظر : كشف الظنون 6 / 7 ، تهذيب التهذيب 9 / 446 ) .