ومن كلامه عليه السلام : أعجب ما في هذا الإنسان قلبه ، وله موادّ من الحكمة وأضداد من خلافها ؛ فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن هاج به الغضب استبدّ به الغيظ ، وإن أسعده الرضا نسي التّحفّظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة ، وإن عادت له نعمة أخذته العزّة ، وإن امتحن بمصيبة فضحه الجزع ، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى ، وإن عضّته فاقة أضرعه البلاء « 1 » ، وإن أجهده الجزع أقعده الضعف ، وإن أفرط في الشّبع كظّته البطنة ؛ فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط له مفسد .
وقال عليه السلام : يأتي على الناس زمان لا يقرّب فيه إلا الماحل « 2 » ، ولا يظرّف فيه إلا الفاجر ، ولا يضعّف فيه إلا المنصف . يتّخذون الفيء مغنما ، والصدقة مغرما ، وصلة الرحم منّا ، والعبادة استطالة على الناس ؛ فعند ذلك يكون سلطان النساء ، ومشاورة الإماء ، وإمارة الصبيان .
وقال : عليكم بأوساط الأمور ؛ فإنه إليها يرجع الغالي ، وبها يلحق التالي .
وخطب فقال : اتقوا اللّه الذي إن قلتم سمع ، وإن أضمرتم علم ، واحذروا الموت الذي إن أقمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم . فقال ابن عباس : واللّه لكأن هذا الكلام ينزل من السماء .
وقال له رجل : عظني ، فقال : لا تكن ممّن يرجو الجنة من غير عمل ، ويؤخّر التوبة لطول الأمل ، ويقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين ، إن أعطي منها لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع . يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة على ما أولي ولا ينتهي . يقول : لا أعمل فأتعنّى ؛ بل أجلس فأتمنّى ؛ فهو يتمنّى المغفرة ، ويدبّ للمعصية . وقد عمّر ما يتذكّر فيه من تذكر . وإلى اللّه المصير .
هامش
( 1 ) ضرع إليه ضرعا وضراعة : خضع وذلّ واستكان . وأضرعه البلاء : أذله .
( 2 ) المحل : المكر والكيد . والماحل : المكّار .