كلامها ، فمني الناس بتلوّم وتلوّن ، وزلل واعتذار ، فلما مضى لسبيله صيّرها إلى ستة زعم أني أحدهم . فيا للّه وللشورى ! متى اعترض فيّ الرّيب فأثرن بهذه النظائر ؟ فمال رجل لضغنه ، وصغا آخر لصهره ، وقام ثالث القوم نافجا خصييه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يهضمون مال اللّه هضم الإبل نبات الرّبيع ، فلما أجهز عليه عمله ، ومضى لسبيله ما راعني إلا والنّاس إليّ سراعا كعنق الضّبع ، وانثالوا عليّ من كلّ فجّ عميق ، حتّى وطئ الحسنان ، وانشقّ عطفاي ؛ فلما نهضت بالأمر مرقت طائفة ، ونكثت أخرى ، وفسق آخرون ، كأن لم يسمعوا اللّه يقول :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 )
[ القصص : الآية 83 ] . بلى واللّه قد سمعوه ، ولكن احلولت الدّنيا في عيونهم ، وراعهم زبرجها . أما واللّه لولا حضور الناصر ، ولزوم الطاعة ، وما أخذ اللّه على العباد ألّا يقروا كظّة ظالم ، ولا شغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيت دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز : [ السريع ]
شتّان ما نومي على كورها * ونوم حيّان أخي جابر « 1 »
فقام رجل من القوم فناوله كتابا شغل به ، فقال ابن عباس : فقمت إليه ، وقتل له : يا أمير المؤمنين ؛ لو أبلغت مقالتك من حيث قطعت . قال : هيهات إنّها كانت شقشقة « 2 » هدرت فقرّت .
وقال : إن اللّه عزّ وجلّ فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلّا بما منع غنيّ . وعلى اللّه أن يسألهم عن ذلك .
وكان عليه السلام يقول : عليكم بالصبر ؛ فإنّ به يأخذ الحازم وإليه يؤول الجازع . وقال : لا خير في صحبة من إذا حدّثك كذّبك ، وإذا حدثته كذّبك .
وإن ائتمنته خانك ، وإن ائتمنك اتّهمك ، وإن أنعمت عليه كفرك ، وإن أنعم عليك منّ عليك .
هامش
( 1 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 197 ، ولسان العرب ( شتت ) .
( 2 ) الشقشقة : هدير الفحل .