تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموشح — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وإنما أجمع الشعراء على ذلك من تضاعف بلائهم بالليل وشدّة كلفهم ؛ لقلة المساعد ، وفقد المجيب ، وتقييد اللّحظ عن أقصى مرامى النظر الذي لا بدّ أن يؤدّى إلى القلب بتأمله سببا يخفّف عنه ، أو يغلب عليه ؛ فينسى ما سواه . وأبيات امرئ القيس في وصف الليل أبيات اشتمل الإحسان عليها ، ولاح الحذق فيها ، وبان الطبع بها . فما فيها معاب إلّا من جهة واحدة عند أمراء الكلام والحذّاق بنقد الشعر وتمييزه . ولولا خوفي من ظنّ بعضهم أنّى أغفلت ذلك ما ذكرته . والعيب قوله بعد البيت الذي ذكرته « 42 » :
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيّها الليل الطويل . . .
فلم يشرح قوله : « فقلت له » ما أراد إلّا في البيت الثاني ، فصار مضافا إليه متعلّقا به ؛ وهذا عيب عندهم . لأنّ خير الشّعر ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر . وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية مثل قوله « 43 » :
اللّه أنجح ما طلبت به * والبرّ خير حقيبة الرّحل
ألا ترى أنّ قوله : « اللّه أنجح ما طلبت به » كلام مستغن بنفسه ، وكذلك باقي البيت . على أنّ في البيت واو عطف عطفت جملة على جملة . وما ليس فيه واو عطف أبلغ في هذا وأجود . وهو مثل قول النابغة الذبياني في اعتذاره إلى النعمان « 44 » .
ولست بمستبق أخا لا تلمّه * على شعث « 45 » . أىّ الرجال المهذّب
فقوله في أول البيت كلام مستغن بنفسه ، وكذلك آخره ، حتى لو ابتدأ مبتدئ فقال : « أىّ الرجال المهذّب » لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفى ، لا يحتاج إلى سواه .
هامش
( 42 ) ديوانه : 18 . ( 43 ) ديوان امرئ القيس 238 ، والشعر والشعراء 61 ، والحقيبة هنا الذخيرة . ( 44 ) ديوانه ( 17 ) . ( 45 ) الشعث : التفرق والفساد . تلمه : نجمعه وتصلحه .