الكتاب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤي وهو موثق بالحديد مسلما قد انفلت منهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه المسلمون قالوا : اللهم أبو جندل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « هو لي » وقال أبوه سهيل - وهو الذي كان يقاول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا فهو لي ، فانظروا في الكتاب فنظروا فوجدوه لسهيل ، فردوه اليه ، فنادى أبو جندل : يا رسول اللّه ، يا معاشر المسلمين أتردونني إلى المشركين يفتنونى في ديني ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا أبا جندل قد لجت القضية بيننا وبينهم ولا يصلح لنا الغدر ، واللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فقال عمر : يا أبا جندل ، هذا السيف وانما هو رجل وأنت رجل .
فقال سهيل : أعنت علىّ يا عمر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لسهيل « هبه لي » قال : لا . قال « فأجره لي » قال لا . قال مكرز : قد أجرته لك يا محمد ولن يهيج « 1 » : قال فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا أيها الناس انحروا واحلقوا وأحلوا » قال : فما قام رجل من الناس . ثم أعادها ، فما قام أحد . قال : ودخلهم من ذلك أمر عظيم . قال : فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على أم سلمة فقال « ما رأيت ما دخل على الناس ؟ » فقالت : يا رسول اللّه اذهب فانحر هديك واحلق وأحلّ ، فان الناس سيحلون . قال ففعل . فنحر الناس وحلقوا وأحلوا ثم انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما قدم المدينة أتاه أبو بصير رجل من قريش مسلما ، فبعثت قريش في طلبه رجلين ، فدفعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اليهما وقال له نحوا مما قال لأبى جندل ، فخرجا به حتى انتهيا به إلى ذي الحليفة فقال لأحدهما : أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر ؟ قال : نعم . قال : فأنظر اليه ؟ قال : نعم . قال : فاخترطه ثم علاه به حتى قتله . وخرج صاحبه هاربا . وأقبل أبو بصير حتى وقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال : قد وفيت ذمتك وأدّى اللّه عنك ، وقد امتنعت بديني أن يفتنونى . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ويل أمه محشّ حرب « 2 » لو كان له رجال » فخرج أبو بصير حتى نزل بذى الحليفة ، فجعل كل من أسلم من أهل مكة يأتيه فينضم اليه حتى صار معه
هامش
( 1 ) في صحيح البخاري ما يفيد أن قريشا لم تمض جوار مكرز لأبي جندل بل أخذ وبقي في اساره حتى انفلت ولحق بذي الحليفة مع أبي بصير كغيرهما ممن كان شأنه كذلك .
( 2 ) محش بكسر الميم وفتح الحاء ، يقال حش الحرب إذا اسعرها وهيجها .