ذات الحنظل حتى هبط على الحديبية ، فلما نزل استقى الناس من بئر « 1 » فنزفت « 2 » ولم تقم بهم ، فشكوا ذلك اليه صلّى اللّه عليه وسلم فأعطاهم سهما من كنانته فقال « اغرزوه فبها » فغرزوه فجاشت وطمى ماؤها حتى ضرب الناس عنه بالعطن « 3 » ، فلما سمعت به قريش أرسلوا اليه أخا بنى الحلس « 4 » وكان من قوم يعظمون الهدى فلما رآه صلّى اللّه عليه وسلم قال « هذا ابن الحلس وهو من قوم يعظمون الهدى فابعثوا له الهدى حتى يراه » فلما نظر إلى الهدى في قلائده لم يكلمهم كلمة واحدة ورجع من مكانه إلى قريش فقال : أتى القوم بالهدى « 5 » والقلائد - فعظم عليهم وحذّرهم - قال : فشتموه وجبهوه وقالوا : انما أنت أعرابي جلف لاعلم لك ، ولسنا نعجب منك ، وانما نعجب من أنفسنا حيث أرسلناك . ثم قالوا لعروة بن مسعود الثقفي : انطلق إلى محمد ولا تؤتى من قبل رأيك . فسار اليه عروة فلما لقيه قال : يا محمد ، جمعت أو باش الناس ثم سرت بهم إلى عترتك وبيضتك التي تفلقت عنك « 6 » لتبيد خضراءهم . تعلم أنى قد جئتك من عند كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد لبسوا جلود النمور عند « 7 » العوذ المطافيل يقسمون باللّه لا تعرض لهم خطة إلا عرضوا لك أمرّ منها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
« انا لم نأت لقتال ، ولكن أردنا أن نقضي عمرتنا ، وننحر هدينا ، فهل لك أن تأتى قومك فإنهم أهلي ، وإن الحرب قد أخافتهم ، وانه لا خير لهم أن تأكل الحرب منهم الا ما قد أكلت ، فيجعلون بيني وبينهم مدة يزيد فيها نسلهم ويؤمن فيها شرهم ويخلوا بيني وبين البيت فنقضى عمرتنا وننحر هدينا ، ويخلوا بيني وبين الناس ، فان أصابونى فذلك « 8 » الذي يريدون وان أظهرنى اللّه عليهم اختاروا لأنفسهم : إما قاتلوا معدّين وإما دخلوا في السلم وافرين ، فانى واللّه لأقاتلن على هذا الأمر الأحمر
هامش
( 1 ) في التيمورية « من البئر » .
( 2 ) أي فنى ماؤها من كثرة الاستقاء .
( 3 ) العطن مبرك الإبل حول الماء ، يقال عطنت الإبل إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخري .
( 4 ) في البخاري أنه رجل من كنانة .
( 5 ) في المطبوعة « أي قوم الهدى » .
( 6 ) في التيمورية « تغلقت عليك » .
( 7 ) كذا بالنسختين « عند » وفي صحيح البخاري « معهم العوذ المطافيل » يريد النساء والصبيان . والعوذ في الأصل جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت وبعد ما تضع أياما حتى يقوي ولدها .
( 8 ) في التيمورية « فذاك » .