وأقاموا به نصارى ، فأنشأوا فيه أسواقا ، وأوت إليهم الفرنج ، ووضعوا لها سورا ، وصارت مدينة ، وبنوا قلعة حصينة ، وصار الفرنج مستولين عليها لا يمكنون أحدا منها حتى فتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب - سقى الله تربة أرضه وإبل الرضا - على أخيه الملك أبى بكر .
قلت : وفي عصر العثمانيين ركب عليها عثمان باشا الوزير ، واحتال عليها وعلى أهلها ، وكانوا عصوا عن السلطنة استقلالا ، فجعل من كبارها جربجية « 1 » ، وكتب أسماءهم ، وجعل ينكجرية « 2 » ، ثم آواهم إلى الخيام ، وأمنو ثم ضرب رصاصه ، فكان كل من عنده حيا من أهلها قتله ، فلم يفلت منها أحد ، ثم دخلها بغير قتال .
ثم في عصر الاثنين وعشرين ومائة وألف أعاد بها القتال أياما ، ثم ملكها وأمر أهلها ، وقتل من قتل ، وأسر الذي أسر لاستقلال أهلها بها عن الطاعة لنصوح باشا الوزير ورد الينكجرية إليها على جارى العادة .
قال : وكانوا الفرنج حين استيلائهم عليها عملوا مراكب ونقلوا بها إلى بحر القلزم لقصدهم أخذ الحجاز الشريفة على قدر ما سولت لهم أنفسهم ، فأوقع الله فيهم العزائم الصلاحية بالهمم العادلية فقبض عليهم وحلق إلى منى فنحروا بها على عمر العقبة ، حيث تنحر الإبل واستمرت بأيدي المسلمين من يومئذ ، واتخذوها ملوك الإسلام حصنا لأموالهم ، وكنزا لزخائرهم ، ولم تزل الملوك يستخلون بها في الزمن القديم وأولادهم ، ويعدونها لمخازنهم ، وبها بساتين وفواكه وحمام ، ونيابتها بمقام نيابة غزة ،
قلت : تعين لها ينكجرية ، وجربجرية وذلك تحدد الآن ،
وكان في القديم بها أرباب الوظائف الدينية ، وهو القاضي الشافعي ، ومحتسب من قبل نائبها ، ووكيل بيت المال .
هامش
( 1 ) الجربجية : لفظ فارسي يطلق على ضابط الإطعام في معسكر الجند ، ثم أطلق على رئيس المشاة الذي يشرف على أمور الكتيبة . انظر : معجم الألفاظ التاريخية ص 53 .
( 2 ) ينكجرية ، لفظ فارسي يطلق على الانكشارية ؛ أي الجيش الجديد . انظر : معجم الألفاظ التاريخية ، ص 158 .