أنّى طالعت في أوّل خطابه من خبر السلامة - خيّمت في جنابه ، ووصلت أسبابها بأسبابه - ما هززت به أعطافى ، بل اهتززت له من أطرافى ، ونسيت معه كلّ عتب ، وغفرت فيه للأيام كلّ ذنب - لطرت وجلا ، ولذبت « 1 » خجلا ، وخرجت من إهابى « 2 » قلقا ، وجريت مع سوء الظن بها أرقبه طلقا « 3 » .
وأرجع إلى أوّل الصورة ، وفاتحة السورة : متى ظنّ الشيخ بي « 4 » نهوضا بما حمّلنى ، وصبرا على ما كلّفنى ، واحتمالا لما ألزمنى « 5 » ، وجلدا فيما جشّمنى ، حتّى بسط لي « 6 » العنان ، وأشرع إلىّ « 7 » السّنان ، وجرّنى على الجمر بل أحرّ ، وجرّ عنى الصبر بل أمرّ ؟ من أين توهّم لي هذا القلب ، فأهدى إلىّ هذا العتب ؟
أنا رجل لا أسيغ العسل ، فكيف أتجرّع الحنظل ؟ ولا أستلين الحرير ، فكيف أفترش الجندل ؟ ولا أستعذب الماء الزّلال ، فكيف أستفّ الخردل ؟ « 8 » ولا أستطيب العنبر الورد ، فكيف أشم الحرمل ؟ « 9 » .
فلو شاء عدل عن المصارفة إلى المناصفة « 10 » ، ورجع من المخاشنة إلى الملاينة « 11 » ، وفعل الأليق بشرفه ، والأحسن في قضية كرمه ، وجرّ ذيل العفو على زلات أوليائه ، وقابل بحسن الاحتمال هفوات أخلائه ، وأنا « 12 » بجرمى معترف ، ومن بحر إحسانه مغترف « 13 » .
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع * فلو لم يكن ذنب لما عرف العفو « 14 »
هامش
( 1 ) ل : « وذبت » .
( 2 ) الإهاب : الجلد .
( 3 ) ل : « مما أراقبه . . . » - الطلق : الشوط الواحد ، يقال عدا الفرس طلقا أي شوطا .
( 4 ) م : « لي » .
( 5 ) د : « واحتمالا له لما لزمني » .
( 6 ) د : « إلى » .
( 7 ) م : « لي » .
( 8 ) م : « أسف » بدل « أستف » ، وكلاهما صحيح - الخردل : نبت له حب صغير حريف الطعم .
( 9 ) الحرمل ، : حب كالسمسم لا يأكله إلى المعزى .
( 10 ) المصارفة : ردّ الشئ عن وجهه - المناصفة : المقاسمة على النصف ، ويريد به النصفة أو الإنصاف بمعنى إعطاء الحق على قدر الاستحقاق .
( 11 ) ل : « الملايمة » .
( 12 ) ل ، د : « أنا » ، بدون الواو قبله .
( 13 ) م : « ومن بحر . . . » سقط .
( 14 ) البيتان لإبراهيم بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي يعتذر إلى المأمون - الأغانى 20 / 252 وفيه وفي الورقة لابن الجراح ( تحقيق : عزام وفراج ، ط دار المعارف بمصر ، 1953 م ) ص 27 : « ولو » موضع « فلو » - ولم يرد الشطر الأول في : ل ، د .