تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
أسنانك ، وأقبل وأدبر ، ففعل الغلام ذلك ، وقال التّاجر : باللّه من اشتراه ؟ اشتراه واللّه أبو العبّاس ، من النّخّاس « 1 » ، ضع الطّست ، وهات الإبريق ، فوضعه الغلام ، وأخذه التّاجر وقلّبه وأدار فيه النّظر ثمّ نقره ، فقال : انظر إلى هذا الشّبه كأنّه جذوة اللّهب ، أو قطعة من الذّهب ، شبه الشّام ، وصنعة العراق ، ليس من خلقان الأعلاق « 2 » ، قد عرف دور الملوك ودارها ، تأمّل حسنه وسلني متى اشتريته ؟ اشتريته واللّه عام المجاعة ، وادّخرته لهذه السّاعة ، يا غلام الإبريق ، فقدّمه ، وأخذه التّاجر فقلّبه ، ثمّ قال : وأنبوبه منه ، لا يصلح هذا الإبريق إلّا لهذا الطّست ، ولا يصلح هذا الطّست إلّا مع هذا الدّست ، ولا يحسن هذا الدّست إلّا في هذا البيت ، ولا يجمل هذا البيت إلّا مع هذا الضّيف ، أرسل الماء يا غلام ، فقد حان وفت الطّعام ، باللّه ترى هذا الماء ما أصفاه ، أزرق كعين السّنّور ، وصاف كقضيب البلّور ، استقي من الفرات ، واستعمل بعد البيات ، فجاء كلسان الشّمعة ، في صفاء الدّمعة ، وليس الشّأن في السّقّاء ، الشّأن في الإناء ، لا يدلّك على نظافة أسبابه ، أصدق من نظافة شرابه ، وهذا المنديل سلني عن قصّته ، فهو نسج جرجان ، وعمل أرّجان ، وقع إليّ فاشتريته ، فاتّخذت امرأتي بعضه سراويلا ، واتّخذت بعضه منديلا ، دخل في سراويلها عشرون ذراعا ، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعا ، وأسلمته إلى المطرّز حتّى صنعه كما تراه وطرّزه ، ثمّ رددته من السّوق ، وخزنته في الصّندوق ، وادّخرته للظّراف ، من الأضياف ، لم تذلّه عرب العامّة
هامش
( 1 ) النخاس : تاجر العبيد . ( 2 ) من خلقان الأعلاق : من النفائس البالية .