حبّه « 1 » ؟ وكم يساوي دنّه ؟ وبقي البقل كيف احتيل له حتّى قطف ؟
وفي أيّ مبقلة رصف ؟ وكيف تؤنّق حتّى نظّف ؟ وبقيت المضيرة كيف اشتري لحمها ؟ ووفّي شحمها ؟ ونصبت قدرها ، وأجّجت نارها ، ودقّت أبزارها ، حتّى أجيد طبخها وعقد مرقها ؟ وهذا خطب يطمّ « 2 » ، وأمر لا يتمّ ، فقمت ، فقال : أين تريد ؟ فقلت : حاجة أقضيها ، فقال : يا مولاي تريد كنيفا يزري بربيعيّ الأمير ، وخريفيّ الوزير « 3 » ، قد جحّص أعلاه وصهرج أسفله ، وسطّح سقفه ، وفرشت بالمرمر أرضه ، يزلّ عن حائطه الدّرّ فلا يعلق ، ويمشي على أرضه الذّباب فيزلق ، عليه باب غيرانه « 4 » من خليطي ساج وعاج ، مزدوجين أحسن ازدواج ، يتمنّى الضّيف أن يأكل فيه ، فقلت : كل أنت من هذا الجراب ، لم يكن الكنيف في الحساب ، وخرجت نحو الباب ، وأسرعت في الذّهاب ، وجعلت أعدو وهو يتبعني ويصيح : يا أبا الفتح المضيرة ، وظنّ الصّبيان أنّ المضيرة لقب لي فصاحوا صياحه ، فرميت أحدهم بحجر ، من فرط الضّجر ، فلقي رجل الحجر بعمامته ، فغاص في هامته « 5 » ، فأخذت من النّعال ، بما قدم وحدث ، ومن الصّفع بما طاب وخبث ، وحشرت إلى الحبس ، فأقمت عامين في ذلك النّحس ، فنذرت أن لا آكل مضيرة ما عشت ، فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم ؟ .
قال عيسى بن هشام : فقبلنا عذره ، ونذرنا نذره ، وقلنا : قديما جنت المضيرة على الأحرار ، وقدّمت الأراذل على الأخيار .
هامش
( 1 ) قيّر حبه : طلي بالقار دنه ( حبّه ) .
( 2 ) خطب يطم : رزء يشتد .
( 3 ) أي حمائه ، يحتقر بإزائه مكان إقامة الأمير أثناء الربيع والخريف .
( 4 ) العيران : الفواصل .
( 5 ) غاص في هامته : دخل في رأسه ، أي شجّه .