المطالب ، فأشار إلى أنّه يفزع من السّلطان ، ولا يثق إلى أحد من الاخوان ، فقلنا له : قد سمعنا حجّتك ، وقبلنا معذرتك ، فإن رأيت أن تحسن إلينا ، وتمنّ علينا ، وتعرّفنا أحد هذين المطلبين ، على أنّ لك الثّلثين ؛ فعلت ، فأمال إلينا يده ، وقال : من قدّم شيئا وجده ، ومن عرف ما ينال ، هان عليه بذل المال ، فكلّ منّا حباه بما حضر ، وتشوّق إلى ما ذكر ، فلمّا ملأنا كفّه ، رفع إلينا طرفه ، وقال : لا بدّ أن نقضي علقا « 1 » وننال ما يمسك رمقا ، وقد ضاق وقتنا ، والموعد غدا هاهنا ، إن شاء اللّه تعالى .
قال عيسى بن هشام : فلمّا تفرّقت تلك الجماعة ، قعدت بعدهم ساعة ، ثمّ تقدّمت إليه ، وجلست بين يديه ، وقلت وقد رغبت في معرفته ، وتاقت نفسي إلى محادثته : كأنّني عارف بنسبك ، وقد اجتمعت بك ! فقال : نعم ، ضمّنا طريق ، وأنت لي رفيق ، فقلت : قد غيّرك عليّ الزّمان ، وما أنسانيك إلّا الشّيطان ، فأنشأ يقول :
أنا جبّار الزّمان * لي من السّخف معاني « 2 »
وأنا المنفق بعد ال * مال من كيس الأماني « 3 »
من أراد القصف والغر * ف على عزف المثاني « 4 »
واصطفى المردان جهلا * من فلان وفلان
صار من مال وإقبا * ل تراه في أمان
هامش
( 1 ) العلق : الطعام .
( 2 ) السخف : ضعف العقل .
( 3 ) المعنى انه إذا انفق ماله ونفد يعتمد على الأماني كما فعل مع هؤلاء القوم الذين مناهم بالكنوز واخذ مالهم .
( 4 ) القصف : العكوف على ملاذ الطعام والشراب . الغرف : تناول الشراب والطعام . العزف على المثاني : العزف على الأوتار الثنائية .