بالفاني ، وشغلتم عن النّائي بالدّاني « 1 » ، هل الدّنيا إلّا مناخ راكب ، وتعلّة ذاهب « 2 » ؟ وهل المال إلّا عارية مرتجعة ، ووديعة منتزعة ؟ ينقل من قوم إلى آخرين ، وتخزنه الأوائل للآخرين ، هل ترون المال إلا عند البخلاء ، دون الكرماء ، والجهّال دون العلماء ؟ إيّاكم والانخداع فليس الفخر إلّا في إحدى الجهتين ، ولا التّقدّم إلّا إحدى القسمتين :
إمّا نسب شريف ، أو علم منيف « 3 » ، وأكرم بشيء يحمل على الرّءوس حامله ، ولا ييأس منه آمله ، واللّه لولا صيانة النّفس والعرض ، لكنت أغنى أهل الأرض ، لأنّني أعرف مطلبين ، أحدهما بأرض طرسوس « 4 » ، تشره فيه النّفوس ، من ذخائر العمالقة « 5 » ، وخبايا البطارقة ، فيه مائة ألف مثقال ، وأمّا الآخر فهو ما بين سورى والجامعين « 6 » ، فيه ما يعمّ أهل الثّقلين ، من كنوز الأكاسرة « 7 » ، وعدد الجبابرة ، أكثره ياقوت أحمر ، ودرّ وجوهر ، وتيجان مرصّعة ، وبدر مجمّعة « 8 » ، فلمّا أن سمعنا ذلك أقبلنا عليه ، وملنا إليه ، وأخذنا نستعجز رأيه ، في القنوع بيسير المكاسب ، مع أنه عارف بهذه
هامش
( 1 ) صه : اسكت . يريد ان يقول إنهم خدعوا بالمال وشغلوا عن الأعمال الصالحة وعجزوا عنها وبخسوها .
( 2 ) المعنى أن الدنيا تشبه مكانا ينزل به المسافر ليستريح قليلا في سفره إلى الآخرة .
( 3 ) يريد العلم الذي يحمل في الرؤوس وهو أكرم شيء .
( 4 ) طرطوس : بلدة في شمالي سوريا على البحر المتوسط .
( 5 ) العمالقة : ملوك حكموا بلاد الشام وآسيا الصغرى ، قيل إنهم أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح . ومنهم الكنعانيون .
( 6 ) سورى : بلاد السريان . والجامعين : العراق ( ارض الرافدين ) .
( 7 ) الأكاسرة : ملوك الفرس .
( 8 ) البدر : جمع بدرة ، كيس يحوي عشرة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف دينار .