وألقى إليك الصّفتين . فوصف لك ما تؤدّي منهما إلى النّجاة مسالكه . وعرّف لك ما لا تؤمن بوائقه ومهالكه . لئلّا تقع في أعقال الباطل ومجاهله . ولتنصبّ إلى شرائع الحقّ ومناهله . ثمّ خوّلك من جزالة الفضل ما حلق ( 1 ) على هام أمانيك . ولم تطمح اليه ظنون عشيرتك وأدانيك . ورفع لك في ذلك صيتا ( 2 ) صيّتا .
وحسن ذكر يضمن لك الحياة ميّتا . ثمّ أوسعك تقلبا في الجناب الأخضر . وافتراشا للمهاد الأوثر . من العيش الرّافغ ( 3 ) . والبال الفارغ . والمشرب الرّافه . والمركب الفاره . والمنظر المرموق . والمسكن الموموق . والدّار ذات الزّخارف والزّفارف . والحديقة ذات الأكل والظلّ الوارف . والقنية المغنية . والغنية المقنيه ( 4 ) . إنما أولاك ما أولاك لتنظر في وجوه نعمائه مفكّرا . وتتوفر على محامده متشكّرا .
شرح
( 1 ) حلق على هام أمانيك : نوع من المجاز لا تراه إلا في كلام من هو من البلاغة بالمنظر الأعلى . كما حكي عن النابغة أنه استأذن على النعمان . فقال له الحاجب أن الملك على شرابه ، فقال النابغة : « فهو وقت الملق يقبله الأفئدة وهي جذلى للرحيق والسماع فإن تبلج فلق المجد عن غرة مواهبه فأنت قسيم ما أفدت ) .
( 2 ) صيتا صيتا : ذكرا طنانا .
( 3 ) الرافغ والرافه : الواسع . وفلان في رفاغة من العيش ورفاهة .
والرفه في الوردان يشرب متى شاء .
( 4 ) المرضية . ومنه حديث عبد اللّه ( الاثم ما حك في قلبك أفتاك الناس واقنوك ) .