فأمسك وسارا حتى أتيا على زرع فقال له شن : أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ فقال له : يا جاهل أما تراه في سنبله . فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة فقال له شن : أترى صاحبها حيّا أم لا ؟ فقال له : ما رأيت أجهل منك . أتراهم حملوا إلى القبر حيا ، ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل فصار به إلى منزله وكانت له بنت تسمى طبقة فأخذ يطرفها بحديث رفيقه فقالت له : ما نطق إلا بالصواب ولا استفهمك إلا عما يستفهم عن مثله ذوو الألباب . أما قوله أتحملني أم أحملك فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث . أما قوله أترى هذا الزرع أكل أم لا فإنه أراد هل استسلف أربابه ثمنه أم لا . وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة فإنه أراد به أخلف عقبا يحيى ذكره به أم لا ؟ فلما خرج إلى الرجل حدثه بتأويل ابنته كلامه فخطبها إليه فزوجه إياها . فلما سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من الدهاء والفطنة قالوا وافق شن طبقة فسار مثلا . وحكي أن الأصمعي سئل عن تفسير هذا المثل فقال : أظن الشن وعاء من أدم كان قد استشن فلما اتخذ له غطاء وافقه ضرب فيه هذا المثل . وأما حدأة وبندقة فإنه يقال في المثل المضروب لمن يفزع بعدوّه أو يبلى بنظيره حدا حدا وراءك بندقة . وكان الأصل حدأة بإثبات الهاء فرخم في النداء . وقد اختلف في المراد بهما فقيل الحدأة هو الطائر المعروف وبندقة الرامي ، وقيل إنهما قبيلتان من سعد العشيرة ، فأغارت حدأة وكانت تنزل بالكوفة ، على بندقة وكانت تنزل باليمن ، فنالت منهم ثم كرّت بندقة على حدأة فأنحت عليهم . وروى بعضهم هذا المثل حدا حدا غير مهموز على مثال عصا وقفا . وزعم أنه اسم القبيلة . وأما قوله ( أخطأت استكما الحفرة ) فإنه يضرب لمن يخطئ في مقصده ويضع الشيء في غير موضعه . وأما قوله ( طلسم وطرسم ) فمعنى طلسم كرّه وجهه ومعنى طرسم أطرق . وقوله ( اخرنطم وبرطم ) أي غضب وقطب وجهه . وقيل معنى اخرنطم غضب مع تكبر ، ومعنى برطم غضب مع تعبس . وأما قوله ( همهم وغمغم ) ، أي لم يبين الكلام .
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية ) — صفحة 432
مساهمون: أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري
ص٤٣٢