قال الرّاوي : فعرفت حينئذ أنّه أبو زيد ، ذو الرّيب « 1 » والعيب ، ومسوّد وجه الشّيب « 2 » . وساءني « 3 » عظم تمرّده « 4 » ، وقبح تورّده « 5 » ، فقلت له بلسان الأنفة « 6 » ، وإدلال « 7 » المعرفة : ألم يأن « 8 » لك يا شيخنا ، أن تقلع « 9 » عن الخنا « 10 » . فتضجّر « 11 » وزمجر « 12 » ، وتنكّر « 13 » وفكّر ، ثمّ قال : إنّها ليلة مراح « 14 » لا تلاح « 15 » ، ونهزة « 16 » شرب راح لا كفاح « 17 » . فعدّ « 18 » عمّا بدا ، إلى أن نتلاقى غدا . ففارقته فرقا « 19 » من عربدته « 20 » ، لا تعلّقا بعدته « 21 » ، وبتّ ليلتي لابسا حداد النّدم « 22 » ، على نقلي خطى « 23 » القدم . إلى ابنة الكرم لا الكرم « 24 » . وعاهدت اللّه سبحانه وتعالى ، أن لا أحضر بعدها حانة نبّاذ « 25 » ، ولو أعطيت ملك بغداذ « 26 » . وأن لا أشهد معصرة الشّراب ، ولو ردّ عليّ عصر الشّباب . ثمّ إنّنا رحّلنا « 27 » العيس « 28 » ، وقت التّغليس « 29 » ، وخلّينا بين الشّيخين أبي زيد وإبليس .
هامش
( 1 ) الشك .
( 2 ) يعني أنه خضب لحيته بالسواد لأجل التدليس .
( 3 ) أحزنني .
( 4 ) أي عتوّه وخبث سيرته .
( 5 ) أي وروده في مناهل المخازي .
( 6 ) أي الحميّة .
( 7 ) الادلال والدلال والدالة الجرأة مع الغنج وامرأة حسنة الدل والدلال .
( 8 ) أي ألم يقرب .
( 9 ) تمتنع .
( 10 ) الفحش .
( 11 ) أي قلق من الضجر وهو ضيق الصدر .
( 12 ) صاح والزمجرة صوت الأسد .
( 13 ) غيّر حالته .
( 14 ) طرب .
( 15 ) أي تنازع وتشاتم .
( 16 ) أي فرصة .
( 17 ) مقاتلة .
( 18 ) أي عدّ نفسك واصرف بصرك .
( 19 ) بالتحريك أي خوفا .
( 20 ) العربدة سوء خلق السكران .
( 21 ) أي بوعده .
( 22 ) الحداد ثياب سود تلبس في المآتم استعارها للندم .
( 23 ) بالضم جمع خطوة .
( 24 ) ابنة الكرم الخمرة والكرم بالسكون العنب والثاني بالتحريك ضد البخل .
( 25 ) أي بيت خمار .
( 26 ) بالذال المعجمة لغة في بغداد .
( 27 ) بتشديد الحاء كذا بخط الحريري .
( 28 ) الإبل البيض .
( 29 ) السير وقت الغلس وهو ظلمة آخر الليل .